الجمعة , 22 سبتمبر 2017
أخبار عاجلة
مقالات وتقارير حول النظام الداخلي

مقالات وتقارير حول النظام الداخلي

يتضمن الملف المرفق بمذكرة نادي قضاة المغرب حول النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الوثائق التالية :

مقالات لأعضاء النادي تعبر عن تصوراتهم بخصوص النظام الداخلي للمجلس.

– تقارير لثلاثة ندوات من تنظيم المكاتب الجهوية بفاس وطنجة والقنيطرة (نُظمت ما بين 2012 و2016).

– مداخلات وتوصيات المائدة المستديرة المنظمة من طرف المكتب الجهوي بالدار البيضاء حول موضوع”النظام الداخلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية : تكريس للاستقلالية ومأسسة الشفافية” (نًظمت بتاريخ 12ماي 2017).

المقالات:

1)نبيل رحيل: تصورات أولية بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

2) فاتح كمال : النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية:إنشاء الوثيقة و الرقابة عليها و هياكل المؤسسة.

3)فاتح كمال : تصور حول سير وتنظيم اللجان الدائمة و المؤقتة للمجلس الاعلى للسلطة القضائية.

4)أنس سعدون: مقترحات حول النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

تصورات أولية بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية

ذ نبيل رحيل

أمين المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب

بدأ التفكير في وضع نظام داخلي للمجلس الأعلى للقضاء بالمغرب منذ دورة أبريل 1998، بعدما تبين من خلال جدول أعماله، أن الضرورة العملية تقتضي اعتماد منهجية واضحة ومسطرة مدققة مبنية على معايير مضبوطة ومقاييس محكمة لمعالجة مختلف المواضيع  المعروضة على المجلس، فكان أن حدد المجلس بعض المبادئ والأفكار اعتبرت بمثابة نواة لهذا النظام، ليتم تطويرها وإغناؤها على مراحل متتالية خصوصا خلال دورة دجنبر 1999، في إطار المرجعيات القانونية التي كانت تحكم الجهاز القضائي حينئذ، وعلى رأسها دستور 1996 ثم النظام الأساسي لرجال القضاء (المؤرخ في 11 نونبر 71) و الذي تم نسخه بدخول القانونين التنظيميين حيز التطبيق.

وبالرجوع الى القانون التنظيمي للمجلس الأعلى السلطة القضائية الجديد، نجده يتضمن مائة وعشرين مادة وزعت على خمسة أقسام ، فخصص الأول للأحكام العامة والثاني لتأليف المجلس والثالث لتنظيم وسير المجلس والرابع لاختصاصات المجلس والخامس للأحكام الانتقالية، ويتضح من خلال تصفح مواد هذا القانون، أن القسم الثالث المتعلق بتنظيم وسير المجلس لم يتجاوز عدد مواده ستة عشر مادة فقط من بين المائة وعشرين مادة التي تضمنها القانون، وهو ما قد يفهم منه  أن المشرع ترك المجال الأكبر من تنظيم عمل المجلس وسير أشغال للنظام الداخلي الذي يتعين على المجلس أن يحيله على المحكمة الدستورية داخل أجل ثلاثة اشهر من تاريخ تنصبه.

والملاحظ أن المادة 49 من النص التنظيمي أوكلت للمجلس وضع نظامه الداخلي دون أن تحدد منهجية صياغته وطريقة اعداده ، وكيفية مناقشة مواده واعتمادها من قبل أعضاء المجلس قبل إحالته على المحكمة الدستورية ، وإذا كان إسناد إعداد النظام الداخلي للمجلس نفسه ، يعتبر في حد ذاته ضمانة مهمة و آلية ضرورية لتحقيق استقلال القضاء ببلادنا ، سيما في هذه المرحلة التأسيسية ، التي ستوضع خلالها مجموعة من المبادئ لترهن عمل المجلس مدة ليست بالسيرة قبل أن تخضع لأي تعديل مستقبلا، فإن ذلك لا يمنع من اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد النظام الداخلي، أسوة بالمنهجية التي تم سلوكها عند إعداد مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والانفتاح على كل الجهات المعنية وفتح باب التشاور معها، ولاسيما المعنيون المباشرون بهذا القانون وهم القضاة من خلال جمعياتهم المهنية، وذلك على الرغم من أن الحيز الزمني المخصص لإعداد النظام الداخلي لن يسمح بالكثير من المناقشات على غرار ما وقع خلال إعداد النصين التنظيمين.

وبالنسبة لمجالات تدخل النظام الداخلي للمجلس، فبالرجوع إلى مواد القانون التنظيمي ( 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية) يتبين بان الإحالة الصريحة على النظام الداخلي الذي سيتم وضعه ، تمت من خلال المواد 50 ،52، 60 ، 74 ، 77 ، 86 ، 106 وأخيرا المادة 119 التي حددت أجل إحالة النظام الداخلي على المحكمة الدستورية، وذلك بالإضافة إلى المادة 56 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.

ويثور هنا تساؤل جوهري، يتمثل في مدى تقيد النظام الداخلي بمواد الإحالة الصريحة، أو بعبارة أدق، هل حددت مواد الإحالة مجالات تدخل النظام الداخلي على سبيل الحصر أم أشارت إليها على سبيل التمثيل فقط، وهل يمكن للنظام الداخلي أن يتناول مسألة من المسائل التي لم ترد في المواد المشار إليها أعلاه.

ان هذا التساؤل يستمد مشروعيته ، من كون بعض مواد القانون التنظيمي المتعلقة بسير أعمال المجلس جاءت مجملة وغامضة ، ولأن الأهداف التي تكون عادة وراء سن نظام داخلي ملحق بالقانون التنظيمي لمؤسسة أو هيئة معينة ، تتمثل أساسا في تيسير عملها وإضفاء نوع من المرونة على سير أشغالها بما يضمن الفعالية والسرعة المطلوبة عند مباشرة المهام المنوطة بها، وهو ما ينطبق تماما على المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي خوله المشرع اختصاصات كثيرة ومتنوعة، لن يكون من السهل عليه ممارستها إذا لم يتح له نظامه الداخلي المرونة اللازمة لتسيير أشغاله ، ولذلك نعتقد بأن مجالات تدخل النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، إنما وردت على سبيل المثال، ولا يقيدها في ذلك سوى المقتضيات والمبادئ والقواعد الواردة في الدستور والقانونين التنظيميين المرتبطين بمجال اشتغال  المجلس.

وبالرجوع إلى مواد الإحالة التي تمت الإشارة إليها، نجد المادة 50 قد خولت للنظام الداخلي صلاحية تحديد هياكله الإدارية والمالية وعددها واختصاصاتها وتنظيم هذه الهياكل وكيفيات تسييرها ، وذلك علاوة على جهازين أساسيين سيتوفر عليهما المجلس، ويتعلق الأمر بجهاز الامانة العامة الذي سيتكون من قضاة وموظفين يوضعون رهن إشارة المجلس أو يلحقون به من إدارات عمومية أو مؤسسات عامة، وجهاز المفتشية العامة الذي نصت عليه المادة 53 من القانون التنظيمي، وتركت مسألة تأليفه واختصاصاته للقانون ، على أن يشرف عليه طبقا لنفس المادة مفتش عام يعين بظهير، باقتراح من الرئيس المنتدب للمجلس بعد استشارة أعضائه، و ذلك بعدما كان هذا الجهاز يمارس اختصاصاته تحت السلطة المباشرة لوزير العدل ، وفقا لأحكام الظهير الشريف المتعلق بالتنظيم القضائي، تطبيقا للمقتضيات الدستورية الجديدة التي دشنت عهدا جديدا للسلطة القضائية بالمغرب، وكان من نتائجها إلحاق المفتشية العامة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تكريسا لمبدأ الاستقلال.

وبالإضافة إلى هياكله الإدارية والمالية، سيشكل المجلس طبقا للمادة 52 من القانون التنظيمي لجانا دائمة تسهر على تحضير أشغال المجلس، حدد منها القانون أربع لجان هي :

1-      لجنة تدبير الوضعية المهنية للقضاة

2-      لجنة إعداد الدراسات والتقارير

3-      لجنة الأخلاقيات القضائية التي تسهر على تتبع ومراقبة التزام القضاة بمدونة السلوك القضائي .

4-      اللجنة الخاصة المنصوص عليها في الفصل 79، والتي نص القانون على أن الرئيس المنتدب يستشرها قبل البت في الطلبات المتعلقة بإلحاق القضاة أو وضعهم في حالة استيداع أو رهن الإشارة ، كما يستشيرها قبل اتخاذ قرار التوقيف في حق القاضي الذي توبع جنائيا او ارتكب خطأ جسيما طبقا لأحكام القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.

هذا، وقد ترك القانون التنظيمي للنظام الداخلي الذي سيتم إعداده ، مسألة تدبير ومعالجة التظلمات والشكايات التي يتلقاها الرئيس المنتدب بشأن ما قد ينسب للقاضي من إخلال قد يكون محل متابعة تأديبية ، ولعل إحداث لجنة خاصة بالتظلمات والشكايات ضمن لجان المجلس الدائمة  سيكون أمرا ضروريا ، لما سيكون لها من دور في معالجة الشكايات والتظلمات الواردة على المجلس وتصنيفها وفحصها، على أن يحدد النظام الداخلي معايير قبولها، اقتداء ببعض الأنظمة المقارنة في هذا المجال.

وبالإضافة إلى اللجان المذكورة، نعتقد أن إحداث لجنة للتواصل والإعلام بمقتضى النظام الداخلي المرتقب ، سيكون له أهميته الكبرى، ليكون رئيس هذه اللجنة بمثابة ناطق رسمي باسم مؤسسة المجلس الاعلى للسلطة القضائية ، خاصة مع الأدوار الجديدة التي انيطت بها، في ظل المقتضيات الدستورية الجديدة.

وإذا كانت اللجان الدائمة المذكورة أعلاه، ستحدد بمقتضى النظام الداخلي، فإن القانون التنظيمي للمجلس ، قد سمح بإحداث لجان أخرى مؤقتة ، تكون مهمتها محددة في دراسة موضوع معين يندرج ضمن اختصاصات المجلس.

والملاحظ أن القانون التنظيمي ترك للنظام الداخلي تحديد كيفية سير وتنظيم اللجان الدائمة منها والمؤقتة، ولم يحدد طريقة تشكيلها، باستثناء اللجنة الخاصة المنصوص عليها في الفصل 79، التي ستكون مؤلفة من الوكيل العام للمللك لدى محكمة النقض إضافة إلى أربعة أعضاء يعينهم المجلس، عضو منهم من بين القضاة المنتخبين عن محاكم الاستئناف، وعضو من بين القضاة المنتخبين عن محاكم أول درجة، وعضوان من بين الأعضاء غير القضاة.

وإذا كان هذا التشكيل لا يعتبر ملزما لباقي اللجان الدائمة والمؤقتة ، فإنه يبقى نموذجا يمكن الاهتداء به عند تشكيلها ، سيما وأنه جمع بين الأعضاء المنتخبين والمعنيين من طرف الملك علاوة على الوكيل العام للملك المعين بالمجلس بحكم منصبه ، مراعاة للطبيعة المختلطة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في صيغته الحالية ، والتي أصبحت تضم الاصناف الثلاث ، على أن تكون رئاسة اللجان ومسؤولية تسييرها محل تناوب بين أعضاء نفس اللجنة كما هو الحال عليه في بعض الأنظمة المقارنة ، وأن يشكل رؤساء اللجان إلى جانب الرئيس المنتدب، مكتب المجلس ، الذي يكون مختصا في التنسيق بين لجان المجلس وهياكله، والبت في القضايا التي يعتبر الرئيس المنتدب أنها ذات طبيعة استعجالية قبل عرضها على الجمعية العامة للمجلس.

ومن المسائل التي أحال فيها القانون التنظيمي كذلك على النظام الداخلي، طريقة نشر النتائج النهائية لكل دورة من دورات المجلس، والمدة التي يحرم فيها القاضي الذي صدرت في حقه عقوبة الاقصاء المؤقت عن العمل من التسجيل بلائحة الأهلية للترقية ، واخيرا الشروط التي يتعين مراعاتها عند النظر في طلبات الانتقال المقدمة من طرف القضاة ، من غير تلك المنصوص عليها في المادة 77 من القانون التنظيمي للمجلس ع س ق، والتي سيكون النظام الداخلي مدعوا كذلك لتحديدها بشيء من التفصيل وإعطاء كل معيار من المعايير مدلوله الواضح ليكون من السهل تطبيقها من طرف المجلس إعمالا لمبدأ تكافؤ الفرص.

وإذا كان النظام الداخلي للمجلس الأعلى في صيغته السابقة، يحدد مدة الحرمان من التسجيل في لائحة الأهلية للترقي في ثلاث سنوات ، فإننا نعتقد أن هذه المدة لا يجب أن تتجاوز سنة واحدة فقط في النظام المرتقب ، خاصة إذا استحضرنا أن هذا الحرمان سيكون بمثابة عقوبه إضافية ، لكل قاض تعرض لعقوبة الاقصاء المؤقت من العمل طبقا للمادة 99 من النظام الأساسي للقضاة ، المحددة للعقوبات التأديبية ، وأن هذه العقوبة تكون دائما مصحوبة بالنقل التلقائي للقاضي.

وبالنسبة لنشر نتائج أشغال المجلس، فإن مبادئ الحكامة الجيدة التي يجب أن تطبع عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، تقتصي أن يتوفر المجلس على نشرة  دورية توزع على القضاة بالمحاكم ، بالإضافة إلى موقع إلكتروني خاص بالمجلس، تسهر على تحيين معطياته لجنة الإعلام والتواصل ، على أن يتم نشر نتائج المجلس داخل أجل معقول، يراعي الظروف النفسية التي يعيشها القاضي كلما كان معنيا بنتائج هذه الأشغال.

كانت هذه بعض الافكار والتصورات بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، الذي يتعين وضعه من طرف المجلس في الايام المقبلة ان شاء الله  ، وداخل أجل ثلاثة أشهر من تنصيبه ، قبل عرضه على المحكمة الدستورية طبقا للمادة 119 من القانون التنظيمي 100.13 المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية ، ليكون وسيلة عمل للمجلس و أداة لتسيير و تنظيم أشغاله و قيامه بالادوار المنوطة به على أكمل وجه ، و هو ما لا يمكن تحقيقه بعد وضع النظام الداخلي ، الا اذا وضعت رهن اشارة المجلس كل الوسائل المادية و البشرية اللازمة لتسهيل عمله ،  علاوة على مقر لائق بمؤسسة دستورية من حجم المجلس الاعلى للسلطة القضائية  مع العمل على تخصيص ميزانية مستقلة للمجلس ضمانا لاستقلاله عن السلطة الادارية المكلفة بالعدل في أفق تحقيق استقلال حقيقي للسلطة القضائية .

النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية:

إنشاء الوثيقة و الرقابة عليها و هياكل المؤسسة

فاتح كمال

عضو نادي قضاة المغرب

يعدُ النظام الداخلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية وثيقة معتمدة من المحكمة الدستورية ومنجزة من قبل اعضاء المجلس لتحديد مجموعة من قواعد تسيير تلك المؤسسة، التي احال عليها قانون المجلس الاعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، وتلك القواعد غير المحال عليها و الضرورية لتسيير تلك المؤسسة الدستورية.

أحال المشرع المغربي على النظام الداخلي في 8 فصول وزعت ما بين القانونين التنظيميين المذكورين أعلاه، خلافا للمشرع الفرنسي الذي نظم في مرسوم 9 مارس 1994 تسيير وتنظيم المجلس الاعلى للقضاء، مما يفتح باب المناقشة الداخلية للتنظيم و التسيير شريطة إعلاء مصالح القضاء على أي اعتبارات أخرى.

يكتسي موضوع مناقشة مشروع النظام الداخلي أهمية نظرية بالغة لراهنيته وقلة الدراسات حوله، ويكتسي أيضا اهمية عملية أكيدة لأعضاء المجلس المذكور وأعضاء المحكمة الدستورية والعديد من القاضيات والقضاة المستفيدين المحتملين من جودة أو عدم جودة صياغة فصول مشروع النظام المرتقب.

لأجله قررت فيما يليه أن أناقش كل نقطة من نقاط الاحالة على النظام الداخلي، مع الاقتصار فيما يلي على

من له صلاحية وضع النظام الداخلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية؟ وما يجب مراعاته فيه ومن يراقب محتواه؟ ( أولا) قبل التطرق للهياكل الإدارية والمالية للمجلس وعددها واختصاصاتها وتنظيمها وكيفيات تسييرها ( ثانيا)  .

أولا : بخصوص من له  صلاحية وضع النظام الداخلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية؟ وما يجب مراعاته فيه ومن يراقب محتواه؟

جاء في المادة 49 من القانون التنظيمي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية : “يضع المجلس  نظامه الداخلي، ويحيله قبل الشروع في تطبيقه إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام الدستور وأحكام هذا القانون التنظيمي، وكذا أحكام القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.

ينشر النظام الداخلي للمجلس بالجريدة الرسمية.

يخضع كل تعديل للنظام الداخلي لنفس الإجراء المتبع في وضعه.”

السؤال الأول المطروح هنا هو من يضع هذا النظام؟ هل الاعضاء أم الرئيس المنتدب؟

أعتقد ان إشكالية صياغة النظام الداخلي توجب اسناد المهمة لمجموعة خبراء مختصين في الادارة القضائية والقضاء الاداري والقضاء الدستوري لتفادي التصريح ببطلانه لعيب شكلي، أو مخالفته للنصوص القانونية ( راجع قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 16 يوليوز 1875، في قضية بيوولاتراد ) مما قد يعرضه للإلغاء من المحكمة الدستورية دون القضاء الاداري. ذلك ان مجلس الدولة الفرنسي في قرارات قديمة نسبيا اعتبر الانظمة الداخلية للمجالس تنظيما داخليا لا يشكل قرارا اداريا قابلا للإلغاء من اجل الشطط في استعمال السلطة شريطة مطابقته للنصوص القانونية. ( راجع قرار مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 6 ماي 1966،قضية كيلان.)

طبعا من المتصور ان يعرض ذلك النظام الداخلي على جلسة للمجلس في اقرب الآجال أي في اقل من شهرين من تنصيب المجلس من طرف الملك لمناقشته    بندا بندا والتصويت عليه بالاغلبية المتطلبة قانونا برفع الايدي .

السؤال الثاني الذي يطرحه الفصل المذكور: هو هل يقتصر النظام الداخلي على تنظيم ما أحال عليه القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الاساسي للسلطة القضائية أي صياغة نظام داخلي في حدود دنيا أو أن يتطرق الى كل اشكاليات التسيير الداخلي؟

اعتقد أن الحل الثاني هو الانسب لتفادي الفوضى. فالفراغ يؤدي الى الاستفراد بالقرار. والعقل الواحد العبقري او حتى بضعة عقول متميزة، لا  تبدع دوما وتفشل في التسيير.

تراقب المحكمة الدستورية النظام الداخلي المصادق عليه، طبقا للمادة 22 من القانون المنشئ لها، بناءً على احالة من الرئيس المنتدب، قبل الشروع في تطبيقه، قصد البت في مطابقته للدستور.

تبت المحكمة الدستورية طبقا للمادة 26 من القانون المحدث لها في مطابقة مشروع النظام الداخلي للمجلس للدستور داخل أجل ثلاثين (30) يوما.

يحتسب ابتداء من تاريخ إحالته إليها.

يحول نشر قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم مطابقة مادة من مشروع النظام الداخلي للدستور دون العمل بالمادة موضوع القرار من النظام الداخلي.

‏غير أنه، إذا قضت المحكمة الدستورية بأن المشروع يتضمن مادة غير مطابقة للدستور ويمكن فصلها من مجموعه، يجوز العمل بالنظام الداخلي باستثناء المادة المصرح بعدم مطابقتها للدستور.

هذا عن وضع النظام الداخلي ومحتواه والرقابة عليه. فماذا عن هياكل المجلس المرتقب؟

ثانيا :

ينظم النظام الداخلي للمجلس الهياكل الإدارية والمالية للمجلس وعددها واختصاصاتها وتنظيمها وكيفيات تسييرها

يتصور أن ينظم النظام الداخلي هياكل المجلس.  بحيث يتوفر على أمانة عامة، تتكون من قضاة وموظفين يوضعون رهن إشارته أويلحقون به من الإدارات العمومية والمؤسسات العامة ومن إداريين وتقنيين معينين وفقا للنظام الأساسي لموظفي المجلس يحدد بنص      تنظيمي لاحق.  يقترح أن يكلف الأمين العام للمجلس بالتسيير الاداري والمالي للمجلس  وأن يسير القضاة والموظفين الملحقين والموضوعين رهن إشارة المجلس ويساعده مساعدين يعملون تحت سلطته.

يتولى الأمانة العامة للمجلس الأمين العام الذي يعين بظهير من بين ثلاثة قضاة من الدرجة الاستثنائية باقتراح من الرئيس المنتدب للمجلس بعد استشارة أعضاء المجلس ، لمدة ست (6) سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ويعتبر هذا التعيين قابلا للتراجع عنه قبل انقضاء المدة المشار إليها.  هنا يقترح أن يكون هذا التعيين بعد إعلان عن المنصب بشكل شفاف، بحيث يحترم في الاختيار الكفاءة والنزاهة والتباري وفق مبدأي الشفافية والمنافسة. يعمل الأمين العام للمجلس المعين تحت سلطة الرئيس المنتدب للمجلس.

يحدد النظام الداخلي للمجلس الهياكل الإدارية والمالية للمجلس وعددها واختصاصاتها وتنظيمها وكيفيات تسييرها.  حيث أقترح هنا أن يحدد النظام الداخلي تقسيم المصالح إلى مصلحة إدارية وأخرى مالية.  وتقسم كل مصلحة الى اقسام من     قبيل قسم أمـانة مكتب المجلـس وقسم الاتصال والإعلام وقسم العلاقات الخارجية وقسم التحليل والبحث والاستشراف وقسم التشريع وقسم المصالح المالية وقسم مراقبة التسيير المالي. إضافة إلى تلك الهياكل، يستعين الامين العام بمكلفين بالدراسات، يسند إليهم مهاما أو أعمالا خاصة. كما يشار في النظام الداخلي إلى تعيين الرئيس المنتدب كأمربالصرف. ويحق لهذا الاخير أن ينيب عنه الأمين العام للمجلس و/ أو رئيس المصلحة المالية أو أي إطار ملحق أو موضوع رهن الاشارة يراه مناسبا في هذا المجال. ويمارس كل أولئك اختصاصاتهم المالية بمجرد نشر أسمائهم بصفتهم أمرين بالصرف في الجريدة الرسمية.

 

تصور حول سير وتنظيم اللجان الدائمة و المؤقتة للمجلس الاعلى للسلطة القضائية

فاتح كمال

عضو نادي قضاة المغرب

يعدُ النظام الداخلي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية وثيقة، لتحديد مجموعة من قواعد تسيير تلك المؤسسة، التي احال عليها قانون المجلس الاعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة. تلك الإحالة من قبل المشرع المغربي على النظام الداخلي تمت في ثمان فصول، وزعت ما بين القانونين التنظيميين المذكورين أعلاه، لعل اهمها المادة 52 من القانون التنظيمي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية التي أحالت بخصوص تنظيم و تسيير لجان المجلس على النظام الداخلي.

يكتسي موضوع مناقشة لجان المجلس الاعلى للسلطة القضائية أهمية نظرية بالغة لراهنيته وقلة الدراسات حوله، ففعالية المؤسسات مرتبطة بجمود أو حيوية لجانها. كما يكتسي  أهمية عملية أكيدة لأعضاء المجلس المذكور والعديد من القاضيات والقضاة المستفيدين المحتملين من حسن تنظيم و تسيير تلك اللجان المرتقبة و المتقاضين عموما مرتفقي العدالة.

أشير أنه من حيث المقارنة، نظم المشرع الفرنسي في مرسوم 9 مارس 1994 تسيير و تنظيم المجلس الاعلى للقضاء اللجان الدائمة للمجلس و قصرها في لجنتي القضاء الجالس و القضاء الواقف. وعلى خلافه نصت المادة  52 من قانون المجلس الاعلى للسلطة القضائية أنه ” يشكل المجلس من بين أعضائه لجانا دائمة تسهر على تحضير الأشغال المعروضة على أنظاره، ولا سيما فيما يخص تدبير الوضعية المهنية للقضاة وإعداد الدراسات والتقارير. يمكن للمجلس إحداث لجان أخرى يراها مفيدة لدراسة موضوع محدد، يندرج في مجال اختصاصاته.  يحدد النظام الداخلي للمجلس كيفية سير وتنظيم هذه اللجان وعدد أعضائها” .

بهذا الخصوص أقترح التطرق  لتصوراتي حول تنظيم اللجان (أولا) قبل التطرق لسبل اختيار اعضائها و تسييرها ( ثانيا)

أولا: بخصوص تنظيم لجان المجلس

تنظم تلك اللجان و تنقسم الى اللجان الدائمة (أ) و اللجان المؤقتة (ب)
أ‌- بخصوص اللجان الدائمة
اقترح التنصيص في النظام الداخلي على خمس لجان دائمة، مكونة من 4 أعضاء، من بينهم قاضيين على الاقل، هي لجنة التاديبات و الاخلاقيات (1) و لجنة الانتقالات (2) و لجنة تدبير الوضعية المهنية (3) لجنة التظلمات و الشكايات (4) و لجنة الدراسات التقارير (5)
1- لجنة التاديبات و الاخلاقيات 
ستكون هذه اللجنة في نظري مكلفة بصياغة و تطوير مسودات مدونات الاخلاقيات المهنية قبل المصادقة على صيغة مقبولة من قبل المجلس و نشرها في الموقع الرسمي له. كما يفترض فيها ان تقوم بمهام استباقية، تتجلى في اعداد جدول المخالفات المهنية و العقوبات التأديبية الموازية لها. كما بإمكانها أن تعمل بنفس استباقي على نشر الاخلاقيات المهنية في جسم العدالة من خلال ورشات و تكوينات مشتركة مع المفتشية العامة و المعهد العالي للقضاء، موجهة للقاضيات و القضاة.
2-  لجنة الانتقالات 
يرجى من هذه اللجنة أن تعمل على بلورة معايير انتقال اضافية، فضلا عن تلك المنصوص عليها في المادة 77 من القانون التنظيمي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية. و اقترح هنا ان تقتبس أهم معاييرها من نظام الانتقال المبلور في اطار وزارتي التربية الوطنية و التعليم العالي نظرا لمراعاتها لمبدا المساواة.

3- لجنة تدبير الوضعية المهنية
أقترح أن تكون هذه اللجنة منكبة طول السنة على دراسة ملفات ترقية و تعيين القضاة في مهام محددة بعد منافسة شفافة. حيث تضم أربعة أعضاء و مساعديهم يدرسون أزيد من 4000 ملف قاضية و قاض على طول أيام العمل السنوية الفعلية. كما بإمكانها أن تعمل على ايجاد الحلول لرفع الحيف عن ضحايا التنقيط التعسفي الكثيرة في الجسم القضائي.
4-  لجنة التظلمات و الشكايات 
اعتقد انه بإمكان هذه اللجنة الاقتباس من تجربة المجلس الاعلى للقضاء بفرنسا من حيث تلقي شكايات و تظلمات المتقاضين و التدقيق فيها و حفظ غير المبررة منها و التحقيق الأولي بخصوص من تبين وجود خطأ مهني قضائي فيها لا تعقيب عليه.

5-  بخصوص لجنة الدراسات و التقارير
أقترح أن تكلف هذه اللجنة من قبل المجلس أو الرئيس المنتدب أو الوكيل العام للملك بالدراسات ” الضرورية” لسير عمل المجلس و جوابه عن استشاراته و أن تضم في صفوفها اشخاصا يتميزون بمسار علمي متميز وخلاق. تستعين تلك اللجنة بقضاة وموظفين رهن الاشارة قادرين على دعم الاعضاء في ابحاثهم و تقاريرهم.

هذا عن اللجان الدائمة. فماذا عن اللجان المؤقتة؟

 

ب‌- بخصوص اللجان المؤقتة 
تتكون اللجان المؤقتة التي قد ينصبها المجلس من اربعة أعضاء من بينهم قاضيين على الاقل. اقترح هنا التنصيص على خمس لجان هي على سبيل المثال و ليس الحصر من بينها: اللجنة الاجتماعية و الصحية(1) و اللجنة الثقافية (2) و لجنة التكوين المستمر (3) و لجنة العلاقات العامة (4)و لجنة العلاقات الخارجية و الداخلية (5)

1- اللجنة الاجتماعية و الصحية
يجب ان يوكل لها في رايي مهمة ضمان استقلال القاضي في حالات المرض و الحاجة الى السكن و النقل، من خلال تمتيعه و تعزيز تمتيعه بالضمانات المخولة له قانونا في هذا المجال، بالتعاون مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل و الاعمال الاجتماعية لوزارة العدل في افق احداث اعمال اجتماعية خاصة بالقضاة.

2-  اللجنة الثقافية 
هي لجنة مؤقتة تعنى بتنظيم سنوي للنشاطات الثقافية للمجلس و كذا الندوات التي قد تساهم في التكوين و تحافظ على الاشعاع الاعلامي للمجلس.

3-  لجنة التكوين المستمر
هذه اللجنة قد تنعقد سنويا أو دوريا عند الطلب لرسم برنامج تكوين اعضاء المجلس و قضاته و اطره في المغرب و الخارج، بعد رصد حاجيات التكوين المتناسبة مع توصيف المهام لكل فرد.
4- لجنة العلاقات الخارجية و الداخلية
هي لجنة تعد مخططا و مشاريع اتفاقيات مع باقي المتدخلين الوطنيين و الدوليين بهدف تسهيل عمل الرئيس المنتدب و الوكيل العام للملك و امين العام المجلس و المجلس في عمومه و كذا رصد فرص التعاون و التكوين المتبادل مع باقي الهيئات المشابهة وطنيا و دوليا .

هذا عن تنظيم لجان المجلس. فماذا عن طريقة اختيار اعضائها و تسييرها؟

ثانيا: طريقة اختيار اعضاء لجان المجلس و تسييرها

سأتناول طريقة اختيار اعضاء لجان المجلس (أ) قبل معالجة تسييرها (ب)

أ- بخصوص طريقة اختيار الاعضاء

اقترح ان يتم الاعلان عن سيرة كل عضو  و يتم انتخابه من قبل البقية في حدود اربعة اعضاء لكل لجنة دائمة منها قاضيين على الاقل … و نفس الامر بخصوص اللجان المؤقتة عند الحاجة مع مراعاة التوزيع على اللجان.
ب- بخصوص تسيير اللجان

أقترح أن ينتخب مقرر و منسق على مستوى كل لجنة من المتفرغين. بحيث يعمل  بمعية امين عام المجلس ومن معه على التنسيق و الاستدعاء الالكتروني لبقية الاعضاء ثلاثة ايام على الاقل قبل انعقادها بقاعات مخصصة للورشات بالمجلس.
تنعقد ورشات  اللجان الدائمة و المؤقتة وجوبا بعد استدعاء اعضاءها و بحضور عضوين على الاقل منها. يمكن للمنسق دعوة أي عضو أو اطار قد يرى فيه فائدة للورشة بعد الاستشارة الفعلية أو الالكترونية للاعضاء.
تسير  اشغال اللجنة من قبل العضو الحاضر الاصغر سنا و يسجل تصويت الاعضاء برفع اليد على كل بند من توصياتها.
يحرر وجوبا محضر باشغال الورشة و يرسل الكترونيا لجميع اعضاء المجلس و الامانة العامة.

 

مقترحات حول النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية

 

أنس سعدون

عضو نادي قضاة المغرب

عضو المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائي

تنص المادة 49 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية على أن المجلس يضع نظامه الداخلي و يحيله قبل الشروع في تطبيقه إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام الدستور وللقانونين التنظيميين المتعلقين بالنظام الأساسي للقضاة وبالمجلس، وذلك داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر من تاريخ تنصيبه.

وبالرجوع الى القانونين المذكورين يتبين أنهما احالا على النظام الداخلي في العديد من المقتضيات من بينها:

مسطرة اقتراح تعديل النظام الداخلي للمجلس

نقترح في هذا الاطار اعتماد نصاب سهل يسمح باشراك اعضاء المجلس في تقديم مقترح تعديل النظام الداخلي، تكريسا لحق كل عضو في تقديم مثل هذا المقترح الذي يخضع للمداولة ، حيث يتخذ المجلس قراراته بأغلبية أعضائه.

هياكل المجلس

ان تحديد الهياكل التي يتكون منها المجلس الاعلى للسلطة القضائية ينبغي ان يعتمد مبادئ الحكامة والشفافية بما يسهم في الرفع من نجاعة هذه المؤسسة، ويضمن انفتاحها على الرأي العام والمواطنين، مع تطوير سبل التواصل مع القضاة بالمحاكم، وضمان الولوج إلى المعلومة، وأن تستوعب هذه الهياكل مجمل الوظائف والمهام الجديدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على ضوء الدستور والقوانين التنظيمية.

عمل اللجان الدائمة:

تنص المادة 52 من قانون المجلس على ما يلي : “يشكل المجلس من بين أعضائه لجانا دائمة تسهر على تحضير الأشغال المعروضة على أنظاره، ولاسيما فيما يخص تدبير الوضعية المهنية للقضاة وإعداد الدراسات والتقارير.

يمكن للمجلس إحداث لجان أخرى يراها مفيدة لدراسة موضوع محدد، يندرج في مجال اختصاصاته.

يحدد النظام الداخلي للمجلس كيفية سير وتنظيم هذه اللجان وعدد أعضائها.”

انطلاقا من هذه المادة يلاحظ أن المجلس سيشتغل عبر آليتين :

الجمعية العامة: وهي آلية مؤقتة الانعقاد و تضم كافة الأعضاء منتخبين، معينين بحسب مهامهم، ومعينين من طرف الملك، وتنعقد في دورتين عاديتين ويمكن ان تنعقد اذا دعت الضرورة الى ذلك.

اللجان الدائمة: وهي آلية دائمة الانعقاد،

ويلاحظ بهذا الخصوص أن المشرع تطرق لتركيبة لجنة واحدة من هذه اللجان في الفصل 79 والذي ينص على ما يلي:

“يبت الرئيس المنتدب للمجلس في الطلبات المتعلقة بإلحاق القضاة أو وضعهم في حالة استيداع أو رهن الإشارة، بعد استشارة لجنة خاصة تتألف من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض إضافة إلى أربعة أعضاء يعينهم المجلس كالتالي :
– عضو من بين القضاة المنتخبين عن مختلف محاكم الاستئناف؛

– عضو من بين القضاة المنتخبين عن محاكم أول درجة؛

– عضوان من بين الأعضاء غير القضاة .”.

وقد تطرق الفصل 79 لتركيبة لجنة “الطلبات المتعلقة بإلحاق القضاة أو وضعهم في حالة استيداع أو رهن الإشارة”، وهي لجنة من حيث الموضوع تتعلق بتدبير الوضعية الفردية للقضاة، وقد اختار المشرع من حيث تركيبتها أن تكون اللجنة مختلطة تضم قضاة وغير قضاة مع ضمان أغلبيتها من القضاة، اذ يترأسها الرئيس المنتدب، وتتشكل أيضا من قاضيين منتخبين أحدهما عن المحاكم الابتدائية والآخر عن الاستئناف.  ويلاحظ أن نفس هذه اللجنة تختص أيضا بالاستشارة مع الرئيس المنتدب في توقيف القاضي مؤقتا عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما طبقا للمادة 92 من قانون المجلس.

وهو ما يطرح عدة أسئلة : هل المنهجية المتخذة في تحديد تركيبة اللجنة المذكورة في الفصل 79 واردة على سبيل المثال، أم ينبغي احترامها في تركيبة باقي اللجان؟

وبمعنى آخر هل ينبغي أن تكون تركيبة جميع اللجان مختلطة، ام يمكن تشكيل تتكون من القضاة فقط؟

ان الدافع لطرح مثل هذا التساؤل يرتبط أساسا بموضوع صلاحيات التأديب الذي يثير عدة اشكالات خاصة على مستوى مدى أحقية الأعضاء من غير القضاة في البت في وضعية القضاة.

بالرجوع الى المعايير الدولية نجد أنه ليس هناك نموذج موحد قد يشكل اطارا مرجعيا يمكن الاعتماد عليه، فبينما ينعقد اختصاص التأديب فيما يخص القضاء الجالس لبعض المجالس بتركيبتها المختلطة (فرنسا، ايطاليا، البرتغال، بلجيكا..)، يخضع قضاة النيابة العامة في ذلك لوزارة العدل (فرنسا)، أو لوزير العدل والملك (بلجيكا). نجد توزيعا آخر للاختصاص يقوم على أساس طبيعة الخطأ ودرجته، وهكذا ينعقد الاختصاص للقضاة فقط في حالة الخطأ العادي، وللقضاة وغير القضاة في حالة الخطأ الجسيم، وهو النموذج المعمول به في اسبانيا. وهو نموذج يراهن على تحقيق التوازن في الحقوق بين القضاة وبين المجتمع بما يعزز ثقته في جهاز القضاء.

لذا أقترح العمل بأسلوب يزاوج بين النموذجين معا، لجان متنوعة ومنفتحة على فئات من خارج الجسم القضائي، وبين لجان تضم قضاة فقط خاصة على مستوى لجنة الترقية، على غرار ما هو معمول به في النظام الفرنسي حيث أن لجنة الترقيات تتألف حصرا من القضاة الأعضاء في المجلس.

ملاحظة ثانية يمكن ابداؤها على مستوى تشكيل اللجان والتي ينبغي أن تراعي مقاربة النوع الاجتماعي، والتي لا تقتصر على ضمان التمثيلية على مستوى التركيبة داخل المجلس، بل ينبغي مراعاتها أيضا على مستوى تركيبة اللجان. فلا يعقل مثلا ان تغيب تمثيلية المرأة القاضية عن لجنة تدبير الوضعية المهنية للقضاة، أو لجنة التأديبات أو لجنة اعداد الدراسات والتقارير.

ملاحظة ثالثة تتعلق بمهام اللجان التي تمت الاشارة اليها في القوانين التنظيمية، وما اذا كانت هذه المهام المحددة واردة على سبيل المثال أم على سبيل الحصر، أكتفي في هذا المقام بالوقوف على المادة 106 من قانون المجلس التي تنص على أنه:”يشكل المجلس، طبقا لمقتضيات المادة 52 من هذا القانون التنظيمي ، لجنة للأخلاقيات القضائية تسهر على تتبع ومراقبة التزام القضاة بالمدونة المذكورة.” والملاحظة التي يمكن ابداؤها بخصوص هذه المادة أنها حددت عمل لجنة الاخلاقيات في تتبع ومراقبة الزام القضاة بمدونة السلوك، والحال أن مثل هذه اللجنة موجودة في عدة تجارب مقارنة وهي لا تكتفي بالقيام بمهمة الحراسة على تتبع ومراقبة التزام القضاة بالمدونة لرصد الاختلالات، وانما تتولى أيضا تتبع مدى تطور مدونة السلوك باعتبار هذه المدونة ليست جامدة بل تتطور باستمرار في الزمان والمكان .

ومن بين الملاحظات التي يمكن تقديمها بخصوص عمل اللجان تلك المتعلقة بطريقة تشكيلها، والتي ينبغي أن تراعي المنهجية الديمقراطية، فضلا عن ضرورة اعتماد مدة ولاية قصيرة لعمل اللجان بشكل يسمح بتجديد النخب والتحفيز والمساءلة.

تحديد الشروط المعتمدة للانتقال

تنص المادة 77 من قانون المجلس على ما يلي:  يراعي المجلس عند النظر في انتقال القضاة:
حاجيات المحاكم ؛
رغبات القضاة المبينة في طلباتهم ؛
القرب الجغرافي ؛
الوضعية الاجتماعية للقاضي.
يراعي المجلس ، علاوة على ذلك ، الشروط التي يحددها النظام الداخلي للمجلس للانتقال من محكمة إلى أخرى.”

يطرح هذا البند سؤال معيرة طريقة عمل المجلس في واحد من بين أهم المواضيع الذي طالما أثار الكثير من الاشكالات والاحتجاجات  على عمل المجالس السابقة.

فالنظام الداخلي السابق اعتمد منهجية مفادها تقسيم المغرب الى ثلاثة مناطق بحسب أهميتها (المادة 29 من ن د)، وتؤكد المادة 30 أنه “يشترط لتقديم طلب الانتقال من منطقة لأخرى المدد التالية:

الانتقال من محكمة إلى أخرى داخل نفس المنطقة : سنتان؛

الانتقال من المنطقة ب إلى المنطقة أ: 3 سنوات؛

الانتقال من المنطقة ج إلى المنطقة ب : سنتان؛

الانتقال من المنطقة ج إلى المنطقة أ مباشرة 5 سنوات”.

السؤال الذي سيطرح هنا، هل سيتم الابقاء على نفس المقتضيات أم سيتم حذفها، أم سيتم تغييرها من خلال اعطاء الأولوية في الاستجابة لطلبات الانتقال للقضاة المعينين في المناطق النائية واعتبار هذا المقتضى بمثابة تدبير من تدابير التمييز الايجابي الممنوح لتحفيز القضاة على العمل في تلك المناطق التي تفتقد لشروط التنمية وهو واقع لا يمكن أبدا تجاهله!

اقترح ان يتم اعتماد اجال قصيرة للبت في طلبات انتقال القضاة مع الاخذ بعين الاعتبار مدة الاقدمية، واعتماد آجال تحفيزية للقضاة العاملين في المناطق النائية، مع ادراج امكانية التبادل.

تحديد مسطرة اطلاع القضاة على آخر تقرير لتقييم الأداء

تنص المادة 56 من النظام الأساسي للقضاة على أنه : يحق للقاضي، طبقا لمسطرة يحددها النظام الداخلي للمجلس، الاطلاع على آخر تقرير تقييم الأداء الخاص به، وذلك قبل متم شهر يونيو من السنة الموالية لإنجاز التقرير.

تثير هذه المادة اشكالية تقييم القضاة وحقهم في الاطلاع على تقارير تقييمهم وهو الحق الذي شكل مطلبا ملحا للقضاة تم انتزاعه مؤخرا، لكن السؤال يكمن في طريقة تنزيل هذا الحق، فهل يتم الاطلاع على مستوى المحكمة أم بمقر المجلس؟

ان التأويل الديمقراطي لمقتضيات هذه المادة يقتضي اقرار حق القاضي في الاطلاع الفوري والآلي (وفق وسائل الاتصال الحديثة) ، على  ملفه الاداري وعلى جميع تقارير الأداء الخاصة به ، بشكل يحفظ السرية وسهولة الولوج الشخصي للمعلومة عن بعد ، على أن يشمل الحق في الاطلاع الحق في تصوير (نسخ) أي وثيقة في ملف القاضي بما فيها تقارير التقييم.

تحديد مدة الحرمان من التسجيل في الترقية بالنسبة للقضاة الصادرة في حقهم عقوبة الاقصاء المؤقت عن العمل.

تنص المادة 74 من قانون المجلس على أنه: “لا يسجل بلائحة الأهلية للترقية لمدة يحددها النظام الداخلي للمجلس، القضاة الذين صدرت في حقهم عقوبة الإقصاء المؤقت عن العمل.

ينبغي تفسير هذه المادة بشكل ضيق أخذا بعين الاعتبار أنها تعتبر استثناء، طالما أن الحرمان من التسجيل في لائحة الاهلية تعتبر عقوبة مستقلة، لذا أقترح أن تكون العقوبة الموجبة للحرمان من التسجيل في لائحة الأهلية للترقية، هي الاقصاء المؤقت عن العمل لمدة ستة أشهر دون سواها من عقوبات الاقصاء عن العمل، وألا تتجاوز مدة الحرمان من الترقيةّ، مدة الاقصاء وهي ستة اشهر.

كيفية تدبير ومعالجة التظلمات والشكايات الموجهة ضد القضاة

تنص المادة 86  من قانون المجلس على ما يلي: “يتلقى الرئيس المنتدب للمجلس ما قد ينسب إلى القاضي من إخلال يمكن أن يكون محل متابعة تأديبية.

يحدد النظام الداخلي للمجلس كيفية تدبير ومعالجة التظلمات والشكايات”.

يعتبر مبدأ الشفافية أساسيا في المحاسبة لتمكين الرأي العام من مراقبة مدى نجاعتها وانسجامها مع مبادئ استقلال القضاء، الا أنه قد يتعارض أحيانا مع الاعتبارات التي تحيط بالوظيفة القضائية.

بالعودة الى المعايير الدولية نجد أن المادة 17 من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة تنص على أن التحقيقات المتعلقة بالشكاوى الموجهة ضد القضاة ينبغي أن تظل في مراحلها الأولى سرية، الا اذا طلب القاضي عكس ذلك، وتنص ايضا على ضرورة اعطاء القضاة الحق في ابداء رأيه بشأن الشكوى التأديبية في مراحلها الأولى .

كما تنص المعايير الدولية على أن القرارات التأديبية ينبغي أن تنشر بغض النظر عن سرية أو علنية المحاكمات التأديبية.

وبالرجوع الى التجارب القضائية في أوربا يلاحظ أن الاتجاه أصبح ينحو نحو علنية الجلسات التأديبية، ففي فرنسا مثلا كان مبدأ السرية هو الأصل في ظل قانون 1881، والذي كان يمنع من نشر أي خبر اعلامي مرتبط باعمال أو مداولات المجلس. لكن ابتداء من سنة 1994 فرض القانون على هيئة التأديب وضع تقارير دورية عن أعمالها  تعرض أمام الرأي العام، فضلا عن رفع السرية عن حيثيات القرارات التأديبية دون تبيان أسماء القضاة المتخذة في حقهم، لما في ذلك من أثر تربوي خصوصا على مستوى تحديد مضمون مدونة السلوك والتنشئة عليها بالنسبة للقضاة والملحقين القضائيين، ولوجود اعتقاد أصبح متنامي بكون السرية التي كانت مفروضة سابقا ولدت شعورا لدى فئات واسعة داخل المجتمع بعدم مسؤولية القاضي، أو تمتعه بحصانة مطلقة على هذا الصعيد.

في سنة 2001 استكمل القانون الفرنسي تقويض مبدأ السرية برفع الحظر الاعلامي والسماح بنشر أي معلومة متعلقة بمحاكمة تأديبية علنية تناولت قاضيا.

من جهة أخرى يثير موضوع الشكايات الموجهة ضد القضاة اشكالية الاستعمال السيء لهذا الحق كمنفذ من منافذ التأثير غير المشروع على القضاة، خاصة حينما يتعلق الامر بملفات معروضة على أنظار القضاء، لذا يتعين تقييد هذا الحق ببعض الشروط من بينها، ضرورة أن يتعلق الأمر بشكاية اسمية موقعة، وألا يكون مضمونها متعلقا بملف رائج أمام القضاء، وألا يتعدى أجل وضع الشكاية سنة واحدة من تاريخ صدور الحكم النهائي في الموضوع، وأن تتوفر الشكاية على وقائع وقرائن واثباتات تؤكدها وذلك بهدف الحد من الشكايات الكيدية.

نشر النتائج النهائية لأشغال المجلس

ينبغي أن يشمل النشر جميع مجالات اشتغال المجلس وأن يتم ذلك بطريقة تفصيلية في اطار النشر الاستباقي للمعلومات اقرارا للحق في المعلومة كحق دستوري للمواطنين،  بدء من مقترح جدول الأعمال المعد من طرف الرئيس المنتدب و مشروع الميزانية السنوية للمجلس ، و لائحة مهام المسؤولية الشاغرة ، والشروط الواجب توفرها ، ولائحة أسماء المرشحين لمناصب المسؤولية ،  ولائحة الأهلية للترقية ، وحاجيات المحاكم عند البت في طلبات الانتقال ولائحة القضاة الذين انتدابهم، أو تم إلحاقهم أو وضعهم في حالة استيداع أو رهن الإشارة ، وطلبات تمديد حد سن التقاعد ، وترتيب القضاة المتدربين خلال امتحان نهاية التكوين بالمعهد العالي للقضاة، وكذا جميع نتائج دورات المجلس. 

 

تقارير الندوات :

 

أولا : ندوة للمكتبين الجهويين لنادي قضاة المغرب بفاس ومكناس  حول مفهوم واجب التحفظ.

ثانيا : ندوة المكتب الجهوي للدائرة الاستئنافية بطنجة حول:(  واجب التحفظ بين الإطار القانوني و الواقع العملي .  (

ثالثا: تقرير حول ندوة “حوكمة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية: رؤية استشرافية في ضوء مدونة السلوك القضائي والنظام الداخلي للمجلس”، المنظمة من طرف المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالقنيطرة بتعاون مع وزارة العدل والحريات .

********** 

 

ندوة للمكتبين الجهويين لنادي قضاة المغرب بفاس ومكناس  حول مفهوم واجب التحفظ

احتضنت رحاب قصر العدالة بفاس يوم السبت 16 يونيو 2012 أشغال يوم دراسي حول موضوع “قراءة في واجب التحفظ” المنظم من طرف المكتبين الجهويين لنادي قضاة المغرب بكل من فاس ومكناس. وهو اليوم الدراسي الذي عرف حضور عدد كبير من المسؤولين القضائيين والمستشارين والقضاة وفعاليات واسعة من مكونات منظومة العدالة فضلا عن السيد رئيس نادي قضاة المغرب.

استهلت أشغال اليوم الدراسي بكلمة افتتاحية للأستاذ محمد الأكحل رئيس المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بفاس رحب فيها بالحضور مؤكدا الدور الذي تلعبه مثل هذه الندوات والأيام الدراسية في التعريف بالمستجدات التي أتى بها الدستور الجديد خاصة في الشق المتعلق بالسلطة القضائية، مؤكدا انخراط النادي في تفعيل مفهوم القضاء في خدمة المواطنين، ومذكرا في الوقت ذاته بأهداف نادي قضاة المغرب المسطرة في نظامه الأساسي وفي مقدمتها الدفاع عن حريات وحقوق المواطنين والدفاع عن استقلالية السلطة القضائية.

وعن أسباب اختيار موضوع “قراءة في واجب التحفظ” كمحور لأشغال هذا اليوم الدراسي أكد السيد رئيس المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بفاس أن من أهم مستجدات الدستور الجديد الاعتراف للقضاة بحقهم في التعبير كحق كوني تبنته الاتفاقيات الدولية، مؤكدا أن مضمون الفصل 111 من الدستور الجديد الذي ينص على أنه:

“للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية”، يطرح اشكاليات عديدة من قبيل حدود العلاقة بين حق القضاة في التعبير وواجب التحفظ، وما إذا كان واجب التحفظ مطوقا لحرية التعبير المعترف بها للقضاة مؤخرا، متى يبدأ وينتهي حق القضاة في التعبير، ومتى يبدأ وينتهي نطاق واجب التحفظ المفروض عليهم، ما هي المرجعيات المؤطرة لحق القضاة في حرية التعبير ولواجب التحفظ، وما هي التجارب الوطنية والدولية في هذا المجال، كيف يمكن ايجاد تأصيل وتأسيس مفهوم حقوقي لواجب التحفظ، وما هي الجهات المخولة بالقيام بهذه المهام؟

تلت ذلك كلمة للسيد رئيس نادي قضاة المغرب الأستاذ ياسين مخلي أكد فيها أن “مسار انشاء نادي قضاة المغرب عرف مجموعة من الأحداث انعكست على المشهد القضائي ببلادنا، ودليل ذلك الحراك القضائي العميق الذي سنجني ثماره قريبا، ثمار سلطة قضائية مستقلة قوية وضامنة لدولة الحق والقانون”.

وأشار السيد الرئيس في كلمته إلى أن الدستور الجديد تضمن العديد من الحقوق التي اعتبرت ثورة حقوقية على المستوى الإقليمي، إلا أنه لا بد من الحرص على ضرورة الإلتزام بالتأويل الديمقراطي لمقتضياته، وهو ما يفرض قراءة واسعة لهذه الحقوق على ضوء المقاربة الكونية. مشيرا إلى أن حق القضاة في التعبير مكفول بنصوص الدستور وبمقتضى المواثيق الدولية، وكل محاولة للتضييق على القضاة في ممارستهم لهذا الحق تبقى مجرد محاولة يائسة تمس بالمقاربة الكونية لهذا المفهوم.

واعترف الأستاذ ياسين مخلي في كلمته باستمرار مسلسل التضييق الذي تتعرض له أجهزة نادي قضاة المغرب مؤكدا أن ذلك لن يستطيع اغتيال حلم القضاة في تأسيس جمعية مهنية قضائية مستقلة و قوية ومعلنا استعداد القضاة لخوض كل الاشكال الاحتجاجية للدفاع عن حقهم في تأسيس جمعيات مهنية والاشتغال من خلالها وممارسة حقهم في التعبير.

ثم قدم الأستاذ ياسين العمراني قاض بالمحكمة الابتدائية بالعرائش مداخلة في موضوع “واجب التحفظ على ضوء البعد الحقوقي في الدستور المغربي” حيث أشار في كلمته إلى صعوبة ايجاد تعريف دقيق لهذا المفهوم محاولا استلهام بعض المؤشرات المساعدة أهمها ضرورة استحضار البعد الحقوقي للدستور الجديد الذي كرس مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي، مستعرضا أهم المواثيق الدولية التي تكرس حق القضاة في التعبير.

وتطرق الأستاذ ياسين العمراني إلى واجب التحفظ وحق القضاة في الانفتاح على المجتمع من جهة، وعلاقة هذا المفهوم بحرية القضاة في التعبير والرأي وحقهم في الاحتجاج أيضا.

وتناولت الأستاذة حجيبة البخاري رئيسة المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بمكناس في مداخلتها موضوع “واجب التحفظ في ضوء القانون المقارن”، حيث انطلقت من طرح التساؤل التالي: هل القضاة لا يملكون حق التعبير إلا من خلال أحكامهم؟

واعتبرت أن غياب مفهوم دقيق لواجب التحفظ يدفع لمحاولة البحث عن التجارب الدولية في هذا المجال حيث أشارت إلى أنه لا يوجد تعريف شكلي دقيق لمفهوم واجب التحفظ سواء على مستوى التشريع أو الاجتهاد القضائي الوطني أو الدولي، مما يفرض تحديد مفهومه ليس من وجهة نظر السلطتين التشريعية أو التنفيذية فقط وإنما من خلال مقاربة حقوقية وتشاركية.

واستعرضت الأستاذة حجيبة البخاري نماذج للتجربة الفرنسية في هذا المجال حيث أشارت إلى أن المجلس الأعلى للقضاء بفرنسا حاول التطرق إلى واجب التحفظ من خلال أمثلة عملية لقراراته المنشورة مند مدة حيث اعتبر من صور خروج القضاة عن واجب التحفظ

  • ابداء قاض لرأيه في مسائل سياسية كانتقاد شكل الحكومة أو النظام السياسي.
  • حديث قاض مع وسيلة اعلامية حول قضية معروضة عليه
  • استعمال لغة تخرج عن اللياقة
  • تقديم تصريحات معادية للسامية
  • توقيع عريضة ونشرها خارج القنوات المهنية
  • اتيان أفعال ماسة بالشرف

وأكدت الأستاذة حجيبة البخاري أن تجربة المجلس الأعلى للقضاء بفرنسا بخصوص التعامل مع مفهوم واجب التحفظ ينبغي النظر إليها باستحضار معطيين أحدهما تاريخي والآخر جغرافي، إذ أن الاجتهاد القضائي الفرنسي عرف وما يزال يعرف تطورا في اتجاه تضييق مفهوم واجب التحفظ وتوسيع دائرة حرية القضاة في التعبير، كما أن هذه الاجتهادات وإن كانت تبدو متقدمة بالمقارنة مع التجربة المغربية أو بعض تجارب البلدان النامية، إلا أنها متخلفة بالنظر إلى الاجتهادات القضائية الأوروبية في هذا المجال.

ودعت في مداخلتها لضرورة اهتمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب بنشر مقرراته وتعليلها لتمكين القضاة والمهتمين بالشأن القضائي والباحثين من تتبعها.

وقدم الأستاذ عبد العزيز الزريفي نائب رئيس المحكمة الابتدائية بفاس مداخلته حول موضوع “واجب التحفظ من خلال مدونة أخلاقيات المهنة”، حيث تساءل في مداخلته عن ماهية هذا المفهوم وما إذا كان يتسع ليشمل مصادرة حق السؤال حول مستقبل القضاء بالمغرب، وحق البوح بكلمة حق في هذا المجال، مشيرا إلى أن واجب التحفظ مصطلح معرفي دينامي يحاكي حال السلطة وحال حقوق الانسان في بلد وزمن معينين.

وأكد أن غياب مفهوم واضح لواجب التحفظ في الدستور الجديد لا يمنع من امكانية محاولة الاسترشاد ببعض النصوص الأخرى مثل النظام الأساسي لرجال القضاء، الذي يمنع على الهيأة القضائية كل نشاط سياسي أو موقف يكتسي صبغة سياسية ، كما يلزم القضاة بالمحافظة على سر المداولات ويمنع عليهم اطلاع أي كان في غير الأحوال المنصوص عليها على نسخ أو ملخص للوثائق أو معلومات تتعلق بالدعاوى. فضلا عن مدونة القيم القضائية التي تطرقت إلى واجب التحفظ إلى جانب الوقار بوصفهما” سمتان ترفعان من شأن القاضي، ينبغي أن يتحلى بهما، لكونهما يحثان على الاتزان والتوازن خلال تصريفه لأشغاله وإصداره لأحكامه، التي يجب أن تتسم بالعدالة والإنصاف، أو في علاقاته التي من المفروض أن تتصف بالإنتقائية وتجنب الأماكن المشبوهة”. ولتحقيقه يتعين على القاضي أن يكون “متزنا في كلامه، حازما في تصرفاته، لئلا يعطي انطباعا بالاستخفاف والابتذال، أو الكبرياء والتعالي، ويحرص على تجنب اللوم والتجريح في سلوكه. ويرسخ في تصرفه و سلوكه ثقة الناس في استقامة الجهاز القضائي و نزاهته”.

وقدم الأستاذ أنس سعدون نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بأزيلال مداخلة تحمل عنوان “حق القضاة في التعبير بين الحريات المكرسة وقيود الممارسة- واجب التحفظ نموذجا”. حيث استعرض مجموعة من المواثيق الدولية التي تؤكد على حق القضاة في التعبير في مقدمتها مبادئ الأمم المتحدة بخصوص استقلال القضاء. مشيرا إلى أنه بالرغم من أن الدستور الجديد اعترف للقضاة بحق التعبير إلا أنه ثمة بعض المؤشرات التي لا تدفع للارتياح أهمها ظهور بعض التصريحات الاستباقية التي تحاول اعطاء تعريف واسع ومطاط لمفهوم واجب التحفظ كقيد وارد على حرية القضاة في التعبير، ومحاولة تمديده ليشمل أيضا مجال ممارسة القضاة لحقهم في تأسيس جمعيات مهنية، مؤكدا أن مهمة تحديد التعاريف والمفاهيم ليست من اختصاص السلطة التنفيذية عموما، خاصة إذا تعلق الأمر بتفسير مادة دستورية تتعلق بالسلطة القضائية التي نص الدستور الجديد على أنها مستقلة.

وتطرق الأستاذ أنس سعدون في مداخلته إلى ضرورة حصر مفهوم واجب التحفظ ليشمل فقط مجال ممارسة المهام القضائية حيث لا يقبل من القضاة إبداء آرائهم بخصوص القضايا الرائجة المعروضة عليهم لأن في ذلك مساس بحقوق المتقاضين وتأثير على السير العادي للعدالة، كما لا يقبل منهم إفشاء السر المهني عموما أو أسرار المداولة على وجه الخصوص، مع وجوب الاهتداء بالتجارب القضائية في البلدان المتقدمة واستحضار أن حرية التعبير المكفولة للقضاة بمقتضى الدستور والمواثيق الدولية تبقى هي الأصل، وما واجب التحفظ إلا استثناء قد يرد على هذه الحرية ولا ينبغي التوسع فيه.

وتناول الأستاذ فاتح كمال المستشار بمحكمة الاستئناف بتازة مداخلة حول موضوع “نحو مفهوم جديد لواجب التحفظ- مقاربة مقارنة” أكد من خلالها أن مفهوم واجب التحفظ أضحى يعرف دينامية كبيرة أمام التحولات التي تشهدها الساحة الحقوقية الوطنية والدولية، والتي حتمت على القضاة الانفتاح على محيطهم وعلى المجتمع، مستعرضا بعض التطبيقات العملية على ضوء بعض التجارب المقارنة، حيث تطرق إلى حرية القضاة في التعبير في علاقتهم مع السلطة التنفيذية، ومع الثورة المعلوماتية، ومع المتقاضين ليؤكد ضرورة مراعاة الحفاظ على حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.

وخلصت المناقشات إلى ضرورة الالتزام بالتأويل الديمقراطي لفصول الدستور الجديد، ومراعاة المقاربة الحقوقية الدولية عند تفسير أي مقتضى غامض وفي مقدمتها مفهوم واجب التحفظ، الذي لا ينبغي تمديده ليشمل نطاق حق القضاة في العمل من خلال جمعيات مهنية لأنه وارد فقط في الشق المتعلق بحرية التعبير.

ودعا المشاركون خلال هذه الندوة أيضا إلى ضرورة قيام المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتعليل قراراته التأديبية ونشرها. مع الاهتمام بتكوين القضاة على التواصل مع محيطهم الاجتماعي وعلى الحرية في التعبير.

كما اكدوا أن واجب التحفظ لا يقتصر فقط على القضاة وإنما يشمل أيضا باقي مكونات السلطتين التنفيذية والتشريعية التي تبقى ملزمة بالاحتفاظ بمسافة بينها وبين السلطة القضائية.

//////////////////////////////////////////////////////////////////

نادي قضاة المغرب

المكتب الجهوي للدائرة الاستئنافية بطنجة

ندوة علمية حول موضوع

)  واجب التحفظ بين الإطار القانوني و الواقع العملي   (

 

تقرير الندوة :

نظم المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة الاستئنافية لطنجة يوم السبت 16 يناير 2016  ندوة علمية حول موضوع “واجب التحفظ بين الإطار القانوني و الواقع العملي” بمؤسسة بيت الصحافة بطنجة و ذلك عبر جلستين علميتين ، الأولى  بمشاركة الأستاذ عبد اللطيف الشنتوف رئيس نادي قضاة المغرب ، الأستاذة رشيدة أحفوض رئيسة الجمعية المغربية للقضاة ، الأستاذة عائشة الناصري رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات ، الأستاذ مصطفى الضيافي الكاتب العام للجنة الشباب بالودادية الحسنية للقضاة ، و ذلك بتسيير من الأستاذ ياسين مخلي الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب و بتقرير من الأستاذ أسامة النالي عضو المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة الإستئنافية بطنجة .

في حين انعقدت الجلسة العلمية الثانية بمشاركة الأستاذة السعدية وضاح عضوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ، الأستاذ جواد الملهوف أستاذ جامعي بكلية الحقوق بطنجة ،  الأستاذ مصطفى بونجة ممثل هيئة المحامين بطنجة ، ، الأستاذ نبيل بوحمدي نائب الكاتب العام لجمعة عدالة ، بتسيير من الأستاذ محمد الحمياني و بتقرير من الأستاذ رشيد العبدلاوي عضوي المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة الإستئنافية بطنجة  .

و بعد الكلمة الترحيبية التي ألقاها الأستاذ عصام بنعلال رئيس المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة الاستئنافية لطنجة ،و التي أكد من خلالها على أهمية و دقة و راهنية الموضوع و حتمية التلاقح الفكري و المثاقفة الجمعوية و الحقوقية لإثراء النقاش المجتمعي حول المواضيع ذات الصلة بالسلطة القضائية ، كما عبر عن تثمين المكتب الجهوي لطنجة  مشاركة ضيوف الندوة لنشاط المكتب ، كما و  تثمين الاستضافة الكريمة لمؤسسة بيت الصحافة بطنجة للندوة العلمية، هذا وقد تم افتتاح الندوة بقراءة آيات بينات من الذكر الحكيم.

 الجلسة العلمية الأولى :

استهل اللقاء في جلسته العلمية الأولى بكلمة رئيسها الأستاذ ياسين مخلي المستشار بمحكمة الاستئناف بمكناس أثنى فيها على حسن اختيار الموضوع و أهميته باعتبار أنه مرتبط بالنقاش المجتمعي حول القوانين المنظمة للسلطة القضائية ، موضحا أن اللقاء فرصة لمعرفة موقف المشرع منه و كدا للإجابة عن الإشكاليات المرتبطة به خصوصا في ظل غياب قرارات معللة من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، متسائلا هل واجب التحفظ يلزم القضاة في مهامهم المهنية القضائية أم ينطبق عليهم في نشاطهم الجمعوي؟

المداخلة الأولى كانت للأستاذ الدكتور عبد اللطيف الشنتوف رئيس نادي قضاة المغرب، أوضح فيها أن دستور 2011 تبنى مفهوم “واجب التحفظ” لأول مرة، مما يجعل النقاش حول الموضوع نقاشا تأسيسيا و تقعيديا له ، مضيفا أن التقارير و التوصيات الصادرة عن الجهات و المنظمات الدولية مكنت من الخروج بخلاصات يمكن الاعتماد عليها لمقاربة المفهوم و التي تتجه عموما إلى التقليص منه ، أما داخليا فمفهوم واجب التحفظ يبقى غير محدد مما يتعين معه إيجاد إطار قانوني له، و أن الفصل 111 من الدستور كفل حرية التعبير للقضاة مع مراعاة “واجب التحفظ”، لكن الإشكال المطروح هو حدود هذا المفهوم، هل يمتد إلى جميع سلوكات القاضي داخل المحكمة و خارجها أم يجب تقليصه لحدود عمله مثل سرية المداولات وغيرها؟ الأمر الذي يفرض وضع ضوابط للاحتكام إليها عند تفسير المفهوم ، و التي يجب أن تكون هي نفس مرجعيات و ضوابط أهداف دستور 2011. الأمر الذي يتعارض مع الواقع الحالي و الذي أفرز وجود قضاة يصطلح عليهم إعلاميا “قضاة الرأي” تمت متابعتهم بخرق واجب التحفظ رغم أن ظهير 11 نونبر 1974 المنظم لوضعية القضاة لا يتضمن مثل هذا المفهوم و لا يعرفه، مما تكون معه هذه المتابعات محاولة استباقية لفرض و تحديد توجه معين ، و هذا يظهر في مشروعي القانونين المرتبطين بالنظام الأساسي للقضاة و المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث ينص الأول على أن الجمعيات المهنية للقضاة ملزمة أيضا  بواجب التحفظ مثلها مثل القاضي الفرد ، و يتضمن الثاني أن أعضاء المجلس ملزمون كذلك باحترام واجب التحفظ. و أورد على سبيل الاستدلال موقف نقابة القضاة في فرنسا من “واجب التحفظ” منذ سنة 1982 ، و ختم مداخلته بالتأكيد على أن الهدف من المطالبة بوقف متابعة القضاة بخرق واجب التحفظ لحين تنزيل القوانين المرتبطة بالسلطة القضائية هو حفظ حق القاضي في تفسير هذا المفهوم بشكل لا يضرر بحقوقه في  المحاكمة التأديبة أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

أشغال الندوة تواصلت بالمداخلة الثانية للأستاذة رشيدة أحفوظ رئيسة الجمعية المغربية للقضاة، و التي كانت تحت عنوان “واجب التحفظ و تغريدات القضاة على شبكة التواصل الاجتماعي فيس بوك”، مستهلة كلمتها بطرح تساؤلات أهمها: هل واجب التحفظ منصوص عليه في الباب الخامس (الخاص بالمسطرة التأديبية) من ظهير 11 نونبر 1974 المكون للنظام الأساسي للقضاة أم أنه يجد مرجعيته فقط في الفصل 111 من الدستور؟ و هل تدوينات القضاة على صفحات الفيس بوك تدخل في إطار ممارسة حرية التعبير المنصوص عليها في الفصل 111 المذكور أم أنها مخالفات تستدعي التأديب؟ موضحة أن المواثيق الدولية (المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1985) تدعو إلى التخفيف من حدة المفهوم ، و هناك العديد من قرارات محكمة النقض الفرنسية التي نحت هذا الاتجاه ، مضيفة أنه لا يمكن بحال من الأحوال اعتبار هذه التدوينات خرقا لواجب التحفظ أو مخالفة تستدعي المتابعة التأديبية لعدة أسباب أهمها أن الفصلين 25 و 111 من الدستور منحا القاضي حرية الفكر و الرأي و التعبير، و أن حق الطعن في المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية للقضاة الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية المنصوص عليه في الفصل 114 من الدستور غير متوفر حاليا، و أن المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية وضعت مسطرة خاصة بخصوص التقاط المكالمات و الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد يجب احترامها و لا يتم أخذها إلا بالقانون، و أن قانون رقم 09/08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه المعطيات ذات الطابع الشخصي ينطبق على القاضي أيضا. و خلصت إلى أن المتابعات الجارية حاليا في حق القضاة هي باطلة لأنه من جهة ليس هناك قانون ينص على واجب التحفظ، و من جهة ثانية لم يتم تنزيل جميع المؤسسات القانونية على أرض الواقع، و من جهة ثالثة لعدم توفر شروط المتابعة القانونية من فاعل و ضحية (مشتكي / مشتكى به)، و من جهة أخيرة لانعدام الإثبات، مؤكدة أنه لا يمكن الأخذ بالعموميات.

و في نفس السياق أكدت الأستاذة عائشة الناصري، رئيسة الجمعية المغربية للنساء القاضيات في مداخلتها التي عنونتها “واجب التحفظ على ضوء مبادئ بانجلور” أن واجب التحفظ هو موضوع استباقي نحاول رصد مفهومه من خلال بعض المبادئ التي وضعتها جهات دولية ( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء، مبادئ بنغالور للسلوك القضائي…). و أن تبني المغرب لمبدأ فصل السلط جاء تطبيقا للمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب و وفاء لحقوق الإنسان و المواطن، و هذا المبدأ المنصوص عليه في الفصل 109 من الدستور يمنع على أي جهة التدخل في عمل القاضي ، و أن حرية القاضي في الرأي و التعبير هي القاعدة المعمول بها في جميع الدول و منها المغرب بمقتضى المادة 111 من الدستور، إلا أنه من جهة أخرى يجب على القضاة تجنب إصدار أي تصرف أو موقف يثير الشك في حيادهم و نزاهتهم. و ذكرت بمؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد في ميلانو بإيطاليا سنة 1985 الذي أوصى الجمعية العامة باعتماد معايير لإصلاح العدالة الجنائية اعتمدتها في  قرارها 40/34المؤرخ 29 نوفمبر 1985 حول المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، و بمبادئ بنغالور للسلوك القضائي التي تم إقرارها من قبل مجموعة النزاهة القضائية في بنغالور بالهند في فبراير 2001 قبل أن يتم مراجعتها خلال المائدة المستديرة لرؤساء المحاكم العليا المنعقدة في لاهاي بهولندا في نونبر 2002 والتي تم إقرارها كذلك من قبل لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بمقتضى القرار عدد 43/2003، و هي المبادئ التي ربطت واجب التحفظ بمجموعة من القيم الأخلاقية (منها الاستقلالية، النزاهة، الوقار و هبة المنصب، الحياد…) التي فصلت معناها بما يتلاءم مع قدسية مهام القاضي و دوره في تحقيق العدل. و ختمت كلمتها بالدعوة إلى مزيد من الانفتاح على هيئات المحامين لأنهم سباقون لحرية التعبير و لدورهم في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية.

الجلسة العلمية الأولى اختتمت بمداخلة الأستاذ مصطفى الضيافي الكاتب العام للجنة الشباب بالودادية الحسنية للقضاة الذي أكد في مستهلها على أن إصلاح منظومة العدالة يحظى باهتمام كبير لدى جلالة الملك نصره الله و أيده مذكرا بالمبادئ الدولية التي أرست المفهوم ، موضحا أنه ليس هناك في الدستور المغربي و النصوص التشريعية المرتبطة بالوضعية المهنية للقضاة تعريف قانوني محدد لواجب التحفظ، مبررا بكون التعريفات ليست اختصاصا تشريعيا بقدر ماهو اختصاص أصيل للفقهاء و الباحثين ، مضيفا على أن الأصل هو حرية التعبير و الاستثناء هو وجود قيود أخلاقية و التي لا يجب التوسع في تفسيرها ، و مؤكدا على أن واجب التحفظ لا يعني التزام القضاة بالصمت ، بل يعني أن القضاة لهم الحق في التعبير بما يتلاءم مع الالتزامات القانونية و الأخلاقيات القضائية ، مبرزا أن واجب التحفظ يهم جميع التصرفات العامة و السلوكيات الخاصة للقاضي الذي يتعين عليه أن لا يقوم بأي عمل من شأنه أن يخل بالوقار و الاحترام الواجب للسلطة القضائية ، مؤكدا على أن الخروج من واجب التحفظ يبدأ بمجرد إخلال القاضي بالالتزامات المهنية والأخلاقية. و أشار الاستاذ الضيافي مصطفى أيضا إلى أن مدونة القيم القضائية التي وضعتها الودادية الحسنية للقضاة تنص على واجب التحفظ بشكل هام ، و في الختام صرح بأن الغاية من واجب التحفظ ليس حرمان القاضي من الحرية في التعبير و إنما صونا له من الخروج عن مبدأ الحياد .

 

الجلسة العلمية الثانية :

برئاسة الأستاذ محمد الحمياني نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بطنجة و عضو المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة الإستئنافية بطنجة افتتحت أشغال الجلسة العلمية الثانية بالتساؤل حول العلاقة بين واجب التحفظ و الحق في التعبير و الواجبات الأخلاقية.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان كان حاضرا في الندوة من خلال مداخلة الأستاذة السعدية وضاح التي بدأتها بالتأكيد على أن تصدير الدستور جاء فيه أن المغرب بلد ديموقراطي، و الفصل 175 منه ينص على أن المراجعة لا يمكن أن تتناول الاختيار الديموقراطي للأمة، و أن الحق في حرية التعبير هو قاعدة دستورية في صلب الديموقراطية و هي صفة لصيقة بتطور المجتمع، مذكرة بدورها بالمبادئ الدولية (الأمم المتحدة، الاتحاد العالمي للقضاة) التي أرست مفهوم واجب التحفظ مؤكدة أنه محصور في سرية مداولاته و عمله القضائي لا غير، و يبقى للقاضي الحق في التعبير كغيره من المواطنين ، مستدلة بالنظام القانوني الكندي الذي اعترف للقاضي بالحق في التعبير علنا عن رأيه في بعض الأمور التي تمس حياة و معيش المواطنين ، و أضافت أنه يجب توفير ضوابط معيارية لتطبيق واجب التحفظ و التي يجب أن تكون مستمدة من الدستور، و دعت إلى ضرورة حماية القضاة من سلط التأثير مشددة على أن الأجرأة القانونية في هذه الحماية يبدأ في الفصل الحقيقي بين السلط، متسائلة بالمناسبة عن دور وزارة العدل في السياسة الجنائية، و بمنح الجمعيات المهنية القضائية الحق في التعبير و في الدفاع عن القضاء و بوضع مدونة للسلوك و القيم الأخلاقية ليس فقط للقاضي بل للبرلماني أيضا، و ختمت في النهاية بموقف المجلس الوطني لحقوق الإنسان من المادة 97 من مشروع القانون بمثابة النظام الأساسي للقضاة.

أشغال الجلسة الثانية من الندوة تواصلت بمداخلة الأستاذ جواد الملهوف، الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بطنجة تحت عنوان “تحفظ القاضي: واجب أم قيد؟” تطرق فيها إلى مقتضيات الدستور الجديد الذي خص السلطة القضائية ب22 فصلا ينظم حقوق و واجبات القضاة، إلا أن تطبيق مقتضيات هذه الفصول يظل رهينا بصدور القوانين التنظيمية للسلطة القضائية ، موضحا محتوى و مدى مفهوم واجب التحفظ الذي يفرض على القاضي الابتعاد عن كل ما يثير الشك في حياده و نزاهته دون حرمانه من الحق في التعبير، و مبرزا التطور الذي عرفه هذا المفهوم من الناحية الواقعية و اختلاف معناه الحالي عن الفترة السابقة لدستور 2011 حيث كان القضاة معزولون عن واقعهم و يمنع عليهم الحق في تصرفات مثل سائر المواطنين دون التنصيص عليها قانونا و دون سبب متسائلا عن الخيط الرفيع الذي يضع الحدود بين واجب التحفظ و الحق في التعبير، و اختتم كلمته بالتأكيد على أن أهم واجب يجب توفره في القاضي يبقى هو الالتزام الأخلاقي و التكوين الجيد.

الأستاذ مصطفى بونجة، المحامي بهيئة المحامين بطنجة قدم مداخلة تحت عنوان “واجب التحفظ من خلال النظام القانوني الفرنسي تجربة مقارنة ” معللا اختياره بأن البحث في النظام الفرنسي ليس من باب الترف الفكري أو الهروب من الواقع بل من باب التشابه مع النظام المغربي و من قبيل تصحيح الخطأ، مستهلا كلمته بشرح لمضمون واجب التحفظ حسب المادتين 6 و 10 من المرسوم رقم 58 ـ1270 المعتبر بمثابة قانون تنظيمي متعلق بنظام القضاء و الذي يمنع على القاضي إصدار أي تصريح ذي طبيعة سياسية و يعرض عمله القضائي للتأثير، و كدا المادة 43 التي تقرنه بواجب الشرف و الكرامة و الأخلاق. مستطردا أن التطبيقات العملية للنظام الفرنسي أفضت إلى إصدار مجموعة من القرارات القضائية تحدد واجب التحفظ بالنسبة للقاضي (الجالس و الواقف)على ثلاث مستويات. مستوى مؤسساتي: القاضي لا يمكنه التعليق على حكم صدر من أحد زملائه القضاة، القاضي لا يمكنه أن يمد الغير بمعلومات… ، ثم مستوى وظيفي: القاضي لا يمكنه التصريح للصحافة بمعلومات خاصة بملف يبث فيه، لكنه يمكنه المشاركة في نقاش حول قانون في طور التشريع، و أخيرا مستوى شخصي من حيث أن واجب التحفظ يمنع على القاضي الإنتماء إلى أي تنظيم أو مجموعات الهدف منها معارضة القضاءكما يمنع عليه التعبير العلني عن الولاء السياسي لأي هيئة ، و أضاف أن المجلس الأعلى للقضاء الفرنسي قام بنشر جميع قراراته التأديبية منذ سنة 1985 إلى سنة 2014 و التي بجردها نتوصل إلى خلاصات أكاديمية غير انتقائية أهمها أن القاضي  يكون قد خرق واجب التحفظ عندما يناقش القضايا المعروضة عليه على شبكات التواصل الاجتماعي، و أن واجب التحفظ لا يعني إلزام القاضي بالصمت، كما أنه يختلف تماما عن واجب التحفظ المفروض على الموظف العمومي ، و على مستوى مجلس الدولة الفرنسي يوجد عدة قرارات أسست لحرية القاضي في التعبير و قننت واجب التحفظ بما يكفل ممارستها، باعتبار أن الهدف منه لم يكن مصادرة حق القاضي في التعبير، و خلص المتدخل إلى القول بأن هذا هو التوجه الذي ينبغي على المغرب السير فيه إذ ينبغي قراءة الفصل 111 من الدستور قراءة أفقية و عمودية في نفس الآن.

الأستاذ نبيل البوحميدي، ممثل جمعية عدالة تطرق إلى موقف جمعيته من القوانين التنظيمية للسلطة القضائية و سرد تطور تصورها في محطات 2008 و  2011، و أوضح أن التصور الذي كان سائدا حول واجب التحفظ هو امتناع القاضي عن الحياة العمومية ، و أن هذا التصور يتم إعادة تقديمه في مشاريع النصوص التنظيمية للسلطة القضائية التي بشكلها الحالي تعتبر أن إدلاء القاضي برأيه أو الانتماء للجمعيات المدنية هو خرق لواجب التحفظ مضيفا أن النقاش على مستوى جمعيته حول واجب التحفظ لم يكن يتم بطريقة مجزأة و مفصلة بل بطريقة عمومية باعتباره عنصرا من عناصر القيم و السلوك القضائي ، منتقدا في الختام الطريقة التي تنجز بها التقارير و المتابعات التأديبية حاليا، إذ إنه من الممكن متابعة قاض بخرق واجب التحفظ رغم ضبابية و عدم دقة المفهوم، و هو نقاش سياسي يجب التمييز فيه بين عمل القاضي المهني و الجمعوي.

اللقاء عرف مشاركة العديد من المتدخلين من مختلف مشاربهم، من  قضاة و مستشارين من محاكم مختلفة و محامين و نقباء سابقين و طلبة باحثين و صحفيين عقب كل جلسة علمية ساهموا  بذلكم في إغناء النقاش و إثرائه و خلصوا جميعا إلى ضرورة تحديد واجب التحفظ و الابتعاد عن المطاطية و الضبابية في المفاهيم، و إلى سد الهوة بين الإطار القانوني و الواقع العملي .

//////////////////////////////////////////////////////////////////////////////

تقرير حول ندوة “حوكمة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية: رؤية استشرافية في ضوء مدونة السلوك القضائي والنظام الداخلي للمجلس”،

المنظمة من طرف المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالقنيطرة بتعاون مع وزارة العدل والحريات

بفندق المعمورة بالقنيطرة

نظم المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالقنيطرة يوم السبت 17 دجنبر 2016 بتعاون مع وزارة العدل والحريات ندوة علمية حول موضوع: “حوكمة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية: رؤية استشرافية في ضوء النظام الداخلي”.

الجلسة الافتتاحية :

استهلت أشغالها بكلمة السيد رئيس نادي قضاة المغرب الدكتور عبد اللطيف الشنتوف أكد فيها عن سياق تنظيم هذا اللقاء الذي يأتي تزامنا مع قرب تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث أكد أن نادي القضاة اختار أن يطرح موضوع مشروع النظام الداخلي للنقاش العمومي في أول سابقة من نوعها ايمانا منه بأن القضاء أضحى شانا مجتمعيا لا يهم القضاة فقط، مسجلا عدة ملاحظات حول الموضوع من بينها تهريب مجموعة من المجالات التي كان يفترض تنظيمها على مستوى قوانين السلطة القضائية الى النظام الداخلي أو نصوص تنظيمية أخرى، في الوقت الذي استبق فيه المشرع وضع مدونة السلوك وهي مهمة موكولة للمجلس، وحسم في طبيعتها معتبرا أنها ملزمة وليست مجرد مبادئ سلوك.

واستعرض مدير ديوان وزير العدل والحريات الأشواط التي قطعها مسلسل اصلاح منظومة العدالة والذي توج بصدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالقضاء، معتبرا اختيار القضاة لمناقشة موضوع النظام الداخلي للمجلس مبادرة تنم عن سمو فكرهم وقناعتهم بأن القضاء رسالة مجتمعية، مشيرا الى أن المجلس السابق حاول اعتماد معايير أكثر دقة لمعالجة المواضيع المعروضة عليه لتحقيق الموضوعية والشفافية والقطع مع الممارسات السابقة.

في حين ركزت كلمة السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض على الضمير المسؤول، الذي يستوجب التعامل مع مستقبل عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بكل إيجابية ومواطنة ورغبة في تجاوز أي عقبات قد تلوح في الأفق، مما يحتم وضع نظام داخلي متكامل يستلهم عناصره من روح دستور 2011 والتوجيهات الملكية السامية التي تحث على استقلال حقيقي للسلطة القضائية، قوامه المسؤولية والمحاسبة وخدمة المتقاضين وتكريس الثقة وصون حرمة القضاء وكرامة القضاة، نظام داخلي يجب أن يجيب على الكثير من الأسئلة الشائكة ويستنبط الحلول والمقاربات من كل التجارب الوطنية والدولية الناجحة.

و ذكر أمين المجلس الوطني لحقوق الانسان محمد صبار في كلمته  بأهم المرجعيات الدولية التي ينبغي مراعاتها عند وضع النظام الداخلي للمجلس داعيا الى تبسيط مساطر التداول بشكل يحقق نجاعة المجلس مستلهما بعض التجارب الدولية في المجال من بينها اصلاح القانون البلجيكي سنة 2015 والذي سمح بإمكانية اجراء المداولات عبر الهاتف، وفي حالة الاستعجال عن طريق البريد الالكتروني أو الفاكس.

الجلسة العلمية الأولى

“حَوكَمة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية:

تصورات ومداخل إعداد النظام الداخلي”

رئيس الجلسة : ياسين مخلي مستشار بمحكمة الاستئناف بمكناس وعضو المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية.

مقرر الجلسة : عبد العزيز علا (قاض بالمحكمة الابتدائية بسيدي قاسم).

استهلت الجلسة بمداخلة تحت عنوان :”عمل المجلس الأعلى للقضاء من منظور التجارب السابقة”، من إعداد الأستاذ جعفر حسون عضو سابق بالمجلس، أكد فيها أن المجلس ظل لمدة ناهزت ثلاثة عقود من الزمان يعيش دون نظام داخلي، ودون أي معايير وهو ما خلق عدة ممارسات سلبية من قبيل خلق مراكز قوى أصبحت تؤثر في أعماله، وعدم انتظام دوراته، وغياب الشفافية، وقد استمر الوضع الى حدود سنة 1999 حينما بادر وزير العدل السابق عمر عزيمان بوضع مشروع للنظام الداخلي لقي مقاومة داخلية شديدة من طرف بعض القوى المحافظة، مؤكدا أن المشهد القضائي عرف انفراجا على مستوى ممارسة القضاة لحقهم في التعبير وانخراطهم في مناقشة الأمور المهنية وذلك بالمصادقة على دستور 2011 الذي شكل مرحلة مفصلية في تاريخ القضاء المغربي.

وقدم الأستاذ عبد الله درميش نقيب سابق لهيآت المحامين بالمغرب مداخلة تحت عنوان:”ضمانات الاستقلالية في النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية: استلهام لتجربة الأنظمة الداخلية لهيأت المحامين بالمغرب”، ذكر من خلالها أن إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية وفق دستور 2011 يعد حدثا تاريخيا، وأن المجلس المذكور مدعو إلى الانفتاح على محيطه الخارجي وخاصة مساعدي العدالة وعلى رأسهم مهنة المحاماة،  مقترحا وضع  بذلة نظامية موحدة لأعضاء المجلس مستمدة من الثرات المغربي ومنح القضاة الحق في ممارسة التحكيم، والاهتمام بالتكوين المستمر، وعدم متابعة القضاة بناء على مجرد وشايات، وتوسيع حقوق الدفاع أمام المجلس، خاصة حق القاضي المتابع في المؤازرة بالعدد الكافي من المحامين الذين يختارهم.

الأستاذ نبيل رحيل مستشار بمحكمة الاستئناف بمكناس وأمين المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب قدم مداخلة تحت عنوان :”النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية: تصورات أولية”، أكد فيها أن المشرع خول للمجلس وضع قانون داخلي يكمل ما تم تغافله في القانون التنظيمي ( المادة 149 من القانون التنظيمي)  وأهم المواد التي تحيل على النظام الداخلي نجد المواد 50 و52 و60 و106 و119، وثم تساءل المتدخل هل مجالات تدخل النظام الداخلي وردت على سبيل الحصر أم المثال؟ وخلص في النهاية أنها وردت على سبيل المثال كما ذهب إلى ذلك بعض دول الرائدة في الميدان، ذلك أن الاختصاصات المنوطة بالمجلس كثيرة ومتنوعة، تتوزع بين مجالات إدارية وتنظيمية وما يتعلق التفتيش.. وهذا يتطلب خلق عدة لجان إضافية غير مشار إليها في القانون التنظيمي للمجلس، وأيضا ما يتعلق بعمل تلك اللجان، كما أن النظام الداخلي يجب أن يراعي بعض بنود القانون التنظيمي كمدة الحرمان من الترقي التي يجب  أن يقتصر فيها على سنة  في القانون الداخلي بدل ثلاث سنوات المنصوص عليها في القانون التنظيمي، وكذا دعى إلى إحداث موقع الكتروني قصد التواصل مع القضاة وباقي مكونات المجتمع، وكذا إنشاء مجلة  ورقية توزع على القضاة بعد كل دورة.

وقدم الأستاذ أنس سعدون عن المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية مداخلة تحت عنوان “تساؤلات حول مشروع النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية”، استهلها بتسجيل عدة ملاحظات أهمها بطء تنزيل قوانين السلطة القضائية وتأخر تنصيب المجلس وهو ما فوت على مشروع قانون المالية لسنة 2017 تخصيص ميزانية مستقلة له مما قد يؤدي الى صعوبات عند تنزيل المجلس الجديد خاصة بالنظر الى المهام الكثيرة التي تنتظره وفي مقدمتها اعداد النظام الداخلي ومدونة السلوك والمساهمة في ورش تنزيل باقي النصوص المكملة لمنظومة القضاء، لافتا الانتباه الى قصر الأجل المحدد لإخراج النظام الداخلي والذي لن يتعدى ثلاثة أشهر وقصر ولاية هذا المجلس التي حددت استثناء في ثلاث سنوات للأعضاء المعينين وأربع سنوات للأعضاء المنتخبين، مقترحا ضرورة مراعاة التنوع واحترام مقاربة النوع الاجتماعي عند تشكيل اللجان، ومراجعة معايير البت في طلبات الانتقال واعتماد تحفيزات تشجع القضاة على العمل في المناطق النائية، وتدبير الشكايات وآلية تظلم القضاة، كما دعا الى خلق مؤسسة الناطق الرسمي للمجلس واعتماد مؤسسة القاضي المكلف بالتواصل على مستوى المحاكم أيضا لضمان وصول الصحافة والإعلام الى المعلومة القضائية الصحيحة والقانونية، والاهتمام بلجنة الأخلاقيات التي ينبغي ألا تبقى مجرد لجنة لتتبع مدى التزام القضاة بمدونة السلوك بل أداة لقياس مدى تطور القيم القضائية.

الجلسة العلمية الثانية

“مدونة السلوك والأخلاقيات القضائية : مقاربات منهجية ومرجعية”

رئيس الجلسة: الدكتور سمير ايت أرجدال رئيس المحكمة الابتدائية بوادي زم ورئيس مؤسس للمركز المغربي للمعالجة التشريعية والحكامة القضائية.

مقرر الجلسة: هشام العماري قاض بالمحكمة التجارية بفاس.

افتتحت أشغال الجلسة الثانية بكلمة السيد المدير العام للمعهد العالي للقضاء الدكتور عبد المجيد غميجة تحت عنوان: مدى إلزامية قواعد مدونات القيم القضائية. انطلق فيها من طرح التساؤل الجوهري: من يراقب من؟ ليؤكد بأن مصداقية القضاة وإن كانت غير نابعة من صناديق الانتخاب فإنها تنبع من الثقة التي يضعها المواطنون في القضاء. ومن هنا تبرز أهمية أن يلتزم القضاة بالسلوك المثالي تعزيزا لهذه الثقة. و بعد أن استعرض مجموعة من المصطلحات والمفاهيم المرتبطة بالموضوع كالأخلاق و قواعد السلوك و الواجبات المهنية و الأخلاقيات القضائية خلص إلى أن المشرع المغربي فضل مفهوم الأخلاقيات القضائية لأنها أوسع من مصطلح القيم القضائية مستدلا بالمادة 111 من الدستور. كما أكد بأن القواعد المنظمة للموضوع في الأنظمة المقارنة تم استخلاصها من علم الاجتماع القانوني و تعتمد أساسا على مفهوم الأخلاق و القيم ومفهوم السلوك الظاهر في الحياة المهنية و الخاصة، وأن الحياد هو جوهر الأخلاقيات القضائية.

وأضاف مدير المعهد العالي للقضاء بأن مصادر الأخلاقيات القضائية في القانون المغربي منها ما هو مكتوب كالدستور والقسم القضائي و القانون الجنائي والقانون المدني و النظام الأساسي للقضاة، و منها ما هو اجتهادي و يتعلق باجتهاد و عمل المجلس الأعلى للقضاء.

وعن إشكالية الموضوع المرتبطة بمدى الإلزامية خلص المتدخل إلى أن توسع النصوص القانونية التي ألزمت القضاة بضرورة الالتزام بالأخلاقيات القضائية يوحي بطابعها الإلزامي و أنه لا شك سوف يكون لاجتهاد المجلس الأعلى للسلطة القضائية و تعليله الموقف الحاسم في هذه النقطة.

وقدم الدكتور محمد الخضراوي نائب رئيس الودادية الحسنية للقضاة مداخلة تحت عنوان: “مدونة القيم القضائية المغربية: قراءة في المنهجية”، استعرض من خلالها المراحل التي مرت منها تجربة وضع مدونة القيم القضائية التي صدرت سنة 2009 بمجهود قضائي خالص بعد مناقشتها في 12 ندوة جهوية، مؤكدا أن الثقة هي محور القيم القضائية، ليتساءل هل إن الأمر يتعلق بمدونة و قانون للقيم أم مجرد ميثاق و إعلان مبادئ لا يرقى إلى درجة القانون؟

في هذا السياق أكد المتدخل بأنه “مهما كان النص القانوني الذي نريد إنتاجه فلا بد أن تكون به ثغرات و لا بد أن يأتي ناقصا لأن الوقائع لا متناهية في حين أن القانون محدود”، ليخلص للقول بأن جزء كبيرا من جوهر الأخلاقيات القضائية ومدى إلزاميتها سوف يكون خاضعا للسلطة التقديرية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وقدم السيد نور الدين الواهلي وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة مداخلة تحمل عنوان: “مدونة القيم القضائية رؤية استشرافية على ضوء الدستور والقانونين التنظيميين للسلطة القضائية”، كشف من خلالها عن سياق المتغيرات الحاصلة في السنوات الأخيرة التي جعلت القضاء ينتقل من مجرد وظيفة إلى سلطة قائمة الذات. ليتساءل “في ظل هذا الوضع و نظرا للمسؤولية الجسيمة التي أصبحت ملقاة على عاتق القضاة هل تعتبر مدونة القيم القضائية التي صدرت سنة 2009 كافية لتأطير سلوك القضاة؟”

اجابة عن هذا السؤال أكد المتدخل بأن المقاربة التشاركية بين المجلس والجمعيات المهنية في إعداد مدونة الأخلاقيات القضائية يجب أن تعكس سمو رسالة القضاء واحترام المواثيق والمبادئ الدولية، مضيفا بأنه لا يعتقد بأن قواعد بانغالور للسلوك القضائي تتعارض مع الدستور المغربي والقوانين التنظيمية المرتبطة بالسلطة القضائية. و أهم مؤشر في هذا المجال هو الحرص على عدم التأثير في القرار القضائي و دعم طمأنينة القاضي، “لذا يتعين إصدار نصوص تشريعية تحمي القاضي من التأثير و لا تقيد حرياته و خاصة حرية التعبير”.

وقدم الأستاذ عبد الخالق الشرفي نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة مداخلة حول موضوع: “القيم القضائية بين النظر والتطبيق، واجب التحفظ نموذجا”. أكد فيها بأن الدستور المغربي والقوانين التنظيمية للسلطة القضائية تعرضت لواجب التحفظ في عدة مواد و هو ما يوحي بأن الأمر سيكون له انعكاس على إعداد مدونة الأخلاق القضائية، متسائلا: “كيف يمكن للقاضي أن يمارس حريته في التعبير كمواطن في ظل تقييده بواجب التحفظ؟”.

اجابة على هذا السؤال : أكد عضو نادي قضاة المغرب بأن “هناك اتجاهان في مقاربة واجب التحفظ؛ الأول يوسع دائرة التحفظ، و الثاني يضيق منها، موصيا بضرورة تبني التوجه المضيق وربط واجب التحفظ بالحياة المهنية فقط دون الحياة الشخصية للقاضي.

وبعد فتح المجال أمام المناقشة قدم الحاضرون عدة مقترحات منها ضرورة تضمين النظام الداخلي مقتضيات تحمي حقوق أعضاء المجلس أيضا، ودعوة كافة الجمعيات المهنية الى توحيد جهودها وتقديم مذكرة موحدة تعرض من خلالها تصوراتها لصياغة قانون داخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية يحترم المعايير الدولية والدستور ويعتمد مبدأ المساواة بين جميع القضاة وفق معايير محددة مع ضمان الاستقلالية والحياد ومحاكمة عادلة وشريفة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


*