الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخبار عاجلة
تحيين مذكرة نادي قضاة المغرب حول مشروع القانون رقم 38-15 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة

تحيين مذكرة نادي قضاة المغرب حول مشروع القانون رقم 38-15 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة

إن نادي قضاة المغرب؛ اعتبارا من كونه جمعية مهنية مواطنة تروم المساهمة في تطوير الأداء التشريعي بما يخدم المصلحة العليا للمواطن و الوطن؛ و اعتبارا لكونه يسعى إلى الرفع من النجاعة والفعالية التي يضطلع بها القضاء من أجل ضمان ظروف أمثل لحماية حقوق و حريات الأفراد و الجماعات؛ و اعتبارا لكونه جمعية فاعلة معبرة عن قاعدتها التمثيلية من جمهور القضاة و القاضيات و مترجمة لتوجهاتهم و اختياراتهم؛ و نظرا لكون نادي قضاة المغرب يعتبر نفسه جهة معنية بالقرار التشريعي متى كان مرتبطا بحقل العدالة و متصلا بشأن القضاء؛ و لأنه يهدف إلى التفعيل الحقيقي و الواقعي للأهداف التي سطرت في الفصل الرابع من نظامه الأساسي، من خلال كافة المنابر و كل المناسبات؛ فإنه يرى أن يبسط ملاحظاته حول مشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، من خلال الورقة التالية التي ارتأى أن يقدمها وفق الآتي  :

أولا : الأهداف الموجهة لرؤية النادي؛

ثانيا : الملاحظات المنهجية بخصوص الصياغة التشريعية لمشروع القانون؛

ثالثا : الانتقادات الموجهة لمضامين مشروع القانون؛

رابعا : الخطوط العريضة للبدائل المقترحة من طرف النادي؛

أولا : الأهداف الموجهة لرؤية النادي.

يروم النادي من هذه الورقة العمل على تحقيق الأهداف التالية  :

  • الهدف الأول : ضمان احترام المبادئ و القواعد الدستورية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية تنظيما و ممارسة ؛
  • الهدف الثاني : تجسيد التزام المغرب اتجاه المنتظم الدولي بشأن التنزيل الأمثل لمختلف التوصيات الأممية و الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية بشقيها القضاء الجالس و القضاء الواقف ؛
  • الهدف الثالث : ضمان انسجام تشريعي بين مختلف أجزاء المنظومة التشريعية المتعلقة بمنظومة العدالة ؛
  • الهدف الرابع : تبليغ رؤية قاعدة النادي إلى الجهات المسؤولة عن وضع المشروع و الدفاع عنها وفق الآليات الممكنة و المتاحة، تجسيدا لروح المسؤولية الملقاة على عاتق الأجهزة المنتخبة .

ثانيا : الملاحظات المنهجية بخصوص الصياغة مشروع قانون التنظيم القضائي.

يمكن إبداء الملاحظات على الصياغة التي جاءت بها مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة من خلال مستويين؛ المستوى الشكلي و المستوى الموضوعي .

1 : من حيث المستوى الشكلي ؛

فإن المشروع اعتمدت أسلوبا فضفاضا في التعبير على المحتوى التشريعي في عدد من المقتضيات، و هو ما سيؤدي لا محالة إلى فتح الباب للتأويلات و التأويلات المضادة عند تنزيل مضامين هذا القانون، بالشكل الذي سيؤثر لا محالة على استقلال السلطة القضائية و استقلال الرأي القضائي، و يمكن التمثيل لذلك بما يلي:

المادة 7 : ” تمارس المحاكم أشغالها، تحت إشراف مسؤوليها، بما يؤمن انتظام و استمرارية الخدمة القضائية …. ”، هنا يثار التساؤل حول المقصود بممارسة الأعمال تحت إشراف المسؤولين، و هل هذا يعني أن المسؤول القضائي يمكن له أن يتدخل، بداعي تأمين انتظام الجلسات و استمرارية الخدمات و غيرها، بتغيير القاضي بآخر أو التدخل في تدبير وضعيات الملفات و إدراجها بالجلسات أو تحديد نوع و طبيعة الملفات التي يجب النظر فيها على وجه السرعة مما هو غير ذلك …؛ و هو ما يجعل مثل هذه العبارة تضرب في الصميم عمق مفهوم الاستقلالية، مما يتعين معه إعادة النظر في مثل هذه الصياغة .

المادة 17 : ” … لا يحضر قضاة النيابة العامة مداولات قضاة الأحكام”، هل المقصود هنا قضاة النيابة العامة بمحاكم الموضوع أم المقصود جميع قضاة النيابة العامة بمن فيهم قضاة النيابة العامة بمحكمة النقض؛ فبقاء هذا المقتضى بهذا الشكل من شأنه المساس بالدور الوظيفي للنيابة العامة لمحكمة النقض و نقلها من مركزها الحالي إلى مركز جديد .

المادة 21 : ” تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الإشراف الإداري و المالي على المحاكم بتنسيق مع المسؤولين القضائيين بما لا يتنافى و استقلال السلطة القضائية …

يخضع الكاتب العام للمحكمة إداريا لسلطة و مراقبة الوزير المكلف بالعدل، و يمارس مهامه تحت السلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين بالمحكمة”، مثل هذه الصياغة من شأنها التشويش على فكرة الاستقلال المالي و الإداري للسلطة القضائية من جهة، ومن أخرى إمكانية تحكم السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في تمكين المحاكم من الموارد و التجهيزات اللازمة لحسن سير العدالة، و هو ما سيؤثر لا محالة على مضمون مبدأ الاستقلال.

كما أن هذه الصياغة جاءت معيبة من حيث تنظيم مركز ” الكاتب العام” إذ أبقت وضعيته المهنية رهينة بإرادتين الأولى للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل و الثانية بالمسؤول القضائي و من هنا يثور السؤال حول مسؤولية هذا المسير من جهة، و عن الجهة المكلفة بالمحاسبة و عن ضابط الترجيح في حالة المنازعة بين الجهتين أو تصادم الرؤيتين من جهة أخرى.

المادة 22 : ” تعتمد المحاكم الإدارة الإلكترونية للإجراءات و المساطر القضائية ”؛ هذا المقتضى جاء فضفاضا، و غير مقرون بأية آلية إجرائية الشيء الذي يجعل المحكمة ملزمة بالخضوع لهذا المقتضى ومسؤولة عنه في الوقت الذي لا تتحمل أية جهة أخرى مسؤولية البنية التحتية الإلكترونية للمحكمة و المساهمة في إيجاد السبل الكفيلة لتنزيل هذا المحتوى على أرض الواقع ، وخاصة ضرورة  التزام جميع  المتعاملين مع المحكمة من ادارات عامة وهيئات مهنية  خاصة من سلوك  الاجراءات الالكترونية حتى يكون لهذا المقتضى أهمية على العمل القضائي ، اما التزام المحكمة به وحدها فإنه يأتي بنتائج عكسية  وفق تجربة الواقع بالمحاكم، إذ عوض أن يسهم التحديث في وصل المتقاضي إلى نسخ الاحكام في وقت معقول فإنه بسبب التعقيد الالكتروني والتعاطي التجزيئي مع هذا الموضوع فإنه يؤدي إلى تعطيل حصول المتقاضين على نسخ احكام وشهادتهم امام المحاكم. .

تلك بعض الملاحظات المتعلقة بشكل الصياغة الداخلية للمقتضيات الواردة بالمسودة موضوع هذه الرؤية .

أما على مستوى النصوص مجملة فإن مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة جاء مشوبا بنوع من التضخم، إذ أنه جمع بين مقتضيات تتعلق بالتنظيم القضائي بأخرى متعلقة بالقواعد والمقتضيات المنظمة للإجراءات أمام المحاكم وثالثة موضوعية، و من ذلك ما تضمنه الفصل الثاني المعنون ب: ” تجريح و مخاصمة القضاة” و يتعلق الأمر بالمواد من 38 إلى 40،

فهذه المواد في مجموعها يجب أن تدرج في القوانين الإجرائية و ليس قانون التنظيم القضائي الذي يهتم فقط بأنواع المحاكم هيكلتها و اختصاصاتها ؛

أما بخصوص المقتضيات الموضوعية التي لا يليق بقانون متعلق بالتنظيم القضائي أن يتضمنها، فإنه تكفي الإشارة إلى ما تطرقت له مشروع القانون من مقتضيات متعلقة بالخطأ القضائي و هو ما ورد بالمادة 37.

و لهذا فإن موضوع الخطأ القضائي يجب أن يفرد له تنظيم خاص يحدد معنى الخطأ القضائي و من يتحمل مسؤوليته و ما هي الجهة المختصة بالنظر في النزاعات المتعلقة بالخطأ القضائي و شروط تلك المنازعة و مسؤولية الدولة في تنفيذ الأحكام المتعلقة بالخطأ القضائي و غير ذلك …

وكذا المادة 20 التي تتحدث عن ارتداء القضاة للبدلة أثناء الجلسات فقط ..فكلمة “فقط” لا معنى لها وتحمل خلفية معروفة تهم التحجير على القضاة في ممارسة اشكال احتجاجية وهي بمثابة رد على وقفة نادي قضاة المغرب يوم 08-02-2014 عندما لم تجد وزارة العدل في شخص الوزير السابق  ما تبرر به منع القضاة من الاحتجاج وهم مرتدين لبدلهم لرسمية تميزا لهم عما قد يختلط بهم من عموم المواطنين بالشارع العام.

المواد من 100إلى 105 غير لائقة في صياغتها بحيث يفهم منها ان القضاة هم موظفين لدى المسؤولين القضائيين بشكل كلي ، لذلك يقترح نادي قضاة المغرب اضافة عبارة “الاداري” لكلمة ” الاشراف “، لكون العمل القضائي له طرق محددة قانونا للطعن ولا يخضع لأي اشراف…ويقترح الحدق الكلي للمادة 105 لكونها مساسة بكرامة المسؤولين والقضاة والقضاء بشكل عام ، ولكون المسؤولية والمحاسبة لها مجالات قانونية أخرى ولا مكان لها هنا.

فكل ما ذكر يعتبر من باب التضخم في هذا المشروع.

أما من حيث المستوى الموضوعي :

فإن مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة تضمنت مجموعة من المقتضيات التي تمس بجوهر الدستور من جهة، و تتعلق بمواضيع خارجة عن نطاق القوانين المنظمة للتنظيم القضائي من جهة أخرى .

فمن حيث المساس بالقواعد الدستورية؛ نجد أن المسودة أعادت إدراج بعض المقتضيات الواردة في الدستور في صلب قانون عادي، و هو أمر منتقد و يجب التراجع عنه لأنه مدخل من مداخل إعادة النظر في القواعد الدستورية التي هي فوق القانون العادي نفسه .

و هنا نطرح السؤال عن مدى صلاحية السلطتين التنفيذية و التشريعية في إعادة إدراج المقتضيات الدستورية في صلب قانون عادي و عرضها للمناقشة، و في هذا الصدد نمثل لهذا الوجه من النقص في هذه المسودة بالتالي :

ü الفقرة الأولى من المادة 11 والتي تعتبر تكرارا لما جاء بالفصل 123 من الدستور.
تلك كانت جملة من الملاحظات المتعلقة بشكل الصياغة التشريعية التي جاءت بها مواد المشروع و ما تنطوي عليه من خطورة بالغة يجب مراجعتها و عدم تمريرها على شكلها الحالي، لما فيها من محاولة للنيل من الاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية في بعض جوانبها و إفراغ هذا الاستقلال من محتواه، و كذا ما فيها من تقليل من مستوى جودة و قيمة النص التشريعي في حد ذاته .

ثالثا : الانتقادات الموجهة لمضامين مشروع القانون.

إن نادي قضاة المغرب، و انطلاقا من مسؤوليته التاريخية يود إثارة الانتباه لمجموعة من المقتضيات التي تضمنها مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة، و يعتبرها ضربا للمكتسبات الدستورية التي حظيت بها السلطة القضائية و على رأسها مكسب الاستقلالية و ضرورة الابتعاد على كل أنواع التأثير على القرار القضائي .

و في هذا الصدد فإن نادي قضاة المغرب يطالب بإعادة النظر في كل مقتضى من شأنه مس هذه الاستقلالية، و التراجع عنه و الالتزام بروح الدستور و منطوقه كما جاء في خطاب جلالة الملك .

و في هذا السياق، يود نادي قضاة المغرب أن يخاطب الجهة المكلفة بالإشراف على إعداد مشروع قانون التنظيم القضائي من أجل تجاوز ما يلي  :

1 : المساس بالاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية، و ذلك من خلال وضع يد السلطة الحكومة المكلفة بالعدل على هذا الاستقلال؛

التدخل المباشرة و غير المباشر في شؤون السلطة القضائية من خلال وضع الآليات التي تبقي للسلطة الحكومية موطئ قدم في تسيير و تدبير و مراقبة العمل القضائي، و خاصة من خلال الدور الذي أريد للكاتب العام للمحكمة أن يلعبه من جراء فرض الرقابة عليه من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل من جهة و تمكينها من التقارير المتعلقة بالجمعيات العمومية،

2 : خرق المقتضيات الدستورية من خلال الفصل 2 من المشروع، و ذلك بجعل الخريطة القضائية التي تعتبر العصب الأساسي للسلطة التنظيمية، من اختصاص السلطة الحكومية المكلفة بالعدل و إبقاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية مجرد جهة استشارية؛ و هو الأمر المخالف للدستور وفق ما جاء في الفصل 71 الذي يجعل التنظيم القضائي و إحداث المحاكم يدخل في نطاق القانون و من اختصاص السلطة التشريعية و لا يمكن بأي حال من الأحوال التسليم للمرسوم بالعبث في تلك الخريطة، لما فيه من محاولة للتأثير، كما لن يجدي نفعا في هذا السياق التوسل باستشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية. كما أن اعتماد المرسوم للتأثير في الخريطة القضائية لا يدخل و لو بالإشارة في صميم مقتضيات الفصل 92 من الدستور مادام هذا الأخير قد أدخله في نطاق القانون؛ زيادة على ذلك فإن مجرد مرسوم صادر عن جهة حكومية لتغيير معالم التنظيم القضائي كاف لجعل هذه الجهة متحكمة في القرار القضائي و استقلاليته و استقلال السلطة القضائية و يشكل مدخلا مقنعا لذلك التدخل في استقلال السلطة القضائية.

و مما يؤكد عليه نادي قضاة المغرب في هذا الصدد هو ضرورة احترام ما ورد بالدستور و خاصة في فصله 113 من إشارة إلى حق المجلس الأعلى للسلطة القضائية في إصدار التوصيات المتعلقة بوضعية القضاء و منظومة العدالة و التي يدخل في جملتها اقتراح محددات و معالم الخريطة القضائية للملكة.

و مما يرتبط بسلطة الجهة الحكومية المكلفة بالعدل في التأثير على القضاء ما تضمنه المشروع من توظيف لآلية المرسوم من أجل التدخل في التوزيع الداخلي للعمل القضائي للمحاكم، وهو ما تروم المسودة إلى شرعنته من خلال إجازة إحداث غرف بالمحاكم بناء على مرسوم(الفصل 3 من المشروع).

بل اكثر من ذلك ، أضاف المشروع الجديد في مادته الثالثة على امكانية إحداث ملحقات استئنافية تابعة لمحكمة استئناف معينة داخل دائرة اختصاصها بمرسوم كذلك اضافة إلى احداث المراكز الفضائية ” مركز القاضي المقيم” بمجدر مرسوم.

3 : تقليص هامش الحقوق و الحريات المكفول للقضاة، عمل مشروع قانون التنظيم القضائي على تقليص هامش الحريات التي أصبح يتمتع بها القضاة كما عمل على التضييق على الحريات الأساسية للقضاة باعتبارهم مواطنين أولا و أخيرا، و يبدو ذلك من خلال ما تضمنه الفصل 7 من المشروع : ” … تمارس المحاكم أشغالها…، تعقد المحاكم جلساتها دون انقطاع وتنظم بكيفية لا يترتب عنها توقفها أو تأجيلها. ” و كذا الفصل 20 من المشروع الذي ينص على : ” يرتدي القضاة بذلة أثناء الجلسات فقط… ” و ما يمكن أن يقال على مثل هذه المقتضيات هي أنها صيغت في شكل ردة فعل على النضالات التي خاضها نادي قضاة المغرب من أجل تكريس استقلالية حقيقية للسلطة القضائية، و هو ما يظهر النية المضمرة لحرمان القضاة من حقهم الطبيعي في الاحتجاج و السعي في إخراس صوتهم من خلال مثل هذه المقتضيات التي لا تمت لدستور 2011 و روحه بصلة كما لا تأخذ بعين الاعتبار ما تضمنته المواثيق و العهود الدولية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية و ضمان حق القضاة في ممارسة الحقوق الأساسية.

و مما يثير الاستغراب في مسودة قانون التنظيم القضائي للمملكة هو التراجع عن القضاء المتخصص كتجربة رائدة كان على واضع المسودة العمل على تطويرها فإذا به يتراجع عنها، و في هذا السياق يرى نادي قضاة المغرب أن المبررات التي وضعها واضعو هذه المسودة في هذه النقطة تبقى واهية و لا أساس لها إذ أن دور القضاء المتخصص كما لا يخفى على ذوي الشأن من المتخصصين من الأهمية بمكان، لذلك فإن نادي قضاة المغرب يطالب بضرورة تطوير القضاء المتخصص و العمل على الزيادة في عدد المحاكم المتخصصة بدل الاكتفاء فقط بالغرف المتخصصة . و هنا يؤكد نادي قضاة المغرب بأن الدستور المغربي لسنة 2011 لم يتحدث عن الغرف المتخصصة و إنما تحدث عن المحاكم المتخصصة، و كما هو معلوم فإن حكم الدستور فوق كل اعتبار و لا يمكن الارتكان لإرادة أية جهة ما دامت تلك الإرادة مخالفة لمقتضيات الدستور .

وكما لا يفوت نادي قضاة المغرب أن يذكر بضرورة استكمال صرح ثنائية النظام القضائي بتتويج هيكلة القضاء الإداري بمجلس الدولة باعتباره حارس الشرعية و المشروعية و ضمان أداء فعال ليس للإدارة فقط و إنما للسلطة القضائية أيضا، و هنا يؤكد نادي قضاة المغرب بأن الظرف التاريخي حان لتأسيس هذا المجلس على اعتبار أنه جهة قضائية يمكن إحداثها في إطار الفصل 71 من الدستور بمقتضى قانون و أن القانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة هو الإطار القانوني المناسبة لإحداث هذه الجهة القضائية.

4 : تقزيم دور الجمعيات العمومية للمحاكم،

تشكل الجمعيات العمومية للمحاكم أحد أهم آليات تحقيق النجاعة القضائية، انطلاقا من فلسفتها القائمة على أساس المقاربة التشاركية في تدبير الشأن الداخلي للمحاكم، لذلك لما فتئ القضاة و منذ زمن بعيد ينادون بضرورة دمقرطة عمل الجمعيات العمومية و جعلها شاملة لكافة المحاكم بما في ذلك محكمة النقض، فإن النادي يشير إلى خطورة تغافل هذا المطلب و العمل في المقابل على تعميم تجربة محكمة النقض على باقي محاكم الموضوع بما يضفي الشرعية على قرارات المسؤولين القضائيين من خلال جعل تلك القرارات تبدو ديمقراطية عن طريق تمريرها عبر قناة تمت تسميتها بمكتب المحكمة،

و في هذا الصدد فإن نادي قضاة المغرب يثير الانتباه إلى أن الإبقاء على هذه الوضعية بالشكل الحالي الذي ورد بالمشرع يشكل ضربة قاضية لمبدأ الاستقلال الفعلي و الحقيقي للسلطة القضائية، و بالمقابل يؤكد على ضرورة تطوير أداء الجمعية العمومية التي تعتبر اللبنة الأساسية لدمقرطة عمل السلطة القضائية كما هو معمول به في جميع النظم القضائية الديمقراطية .

إن نادي قضاة المغرب يستغرب التراجع الخطير الذي شهده مركز القضاة من خلال إضعافهم أمام المسؤولين القضائيين، ففي الوقت الذي عملت مقتضيات القانونين التنظيميين لرجال القضاء و المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تكريس نظام التنقيط و جعله سيفا مسلطا على رقاب القضاة، ها هو مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة يعمل على إكمال الصورة من خلال إضعاف كل من قضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة أمام المسؤولين القضائيين بما يشكل تراجعا عن روح و منطوق الفصل 110 من الدستور.

و لا يجادل أحد أن ما تضمنه الفصل 17 الذي ينص على أنه : ” يمارس مهام النيابة العامة قضاتها، تحت سلطة و مراقبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض … ورؤسائهم المباشرين”، و الفصل 104 من نفس المشروع الذي نيص على أنه ” يمارس وكلاء الملك لدى محاكم أول درجة في حدود اختصاصهم سلطتهم على قضاة النيابة العامة…” فكيف لقاضي النيابة العامة أن يمارس مهامه تحت وطأة سلطة المسؤول و ما يملكه من أدوات و آليات تجعل قاضي النيابة العامة خاضعا و بين أن يلزم هذا الأخير بضرورة اتباع التعليمات الكتابية القانونية فقط دون غيرها، و كيف يمكن التمييز – في ظل مثل هذه المقتضيات – بين التعليمات الكتابية القانونية و غير القانونية أم أن واضعي المشروع اعتبروا سلفا أن ما يصدره الرؤساء المباشرين هو تعليمات قانونية ؟

و كيف يمكن التأكيد على استقلال القاضي في الوقت الذي يكون فيه هذا الأخير تحت رحمة المسؤول القضائي ؟ و كيف يمكن الجمع بين مراقبة عمل القاضي من قبل المسؤول القضائي وإمكانية التأثير على قراراته في الوقت الذي تعطى فيه الشرعية للمسؤول ليمارس كل أنواع التأثير بصورة شرعية و قانونية ؟

إن نادي قضاة المغرب، و هو يثير الانتباه إلى خطورة هذه المقتضيات على استقلال السلطة القضائية، ومخالفتها لمضمون وروح الدستور المغربي الذي منع بشكل صريح كل تدخل أو تأثير في استقلال القضاة، يعتبر المس بمؤسسة الجمعية العمومية للمحكمة و كذا تمكين السادة المسؤولين القضائيين من آليات خطيرة تتيح لهم إمكانية التدخل و التأثير في عملية صنع القرار القضائي وفق ما تضمنه مشروع قانون التنظيم القضائي، يعتبر محاولة واضحة للإلتفاف على مضامين الوثيقة الدستورية التي سعت إلى تكريس استقلال فعلي للسلطة القضائية وهو بهذه المناسبة ينبه جميع المتدخلين في العملية التشريعية بدءا من واضعي مشروع القانون إلى المحكمة الدستورية مرورا بالبرلمان إلى ضرورة تدارك الأمر، وغيرهم من الفاعلين إلى تحمل المسؤولية التاريخية للدفاع عن استقلال السلطة القضائية .

و انطلاقا من رؤية نادي قضاة المغرب باعتبار جمعية مهنية فاعلة، فإنه يرى ضرورة بسط الخطوط العريضة للبدائل المقترحة من طرفه .

رابعا : الخطوط العريضة للبدائل المقترحة من طرف النادي.

1 : فيما يتعلق بالجمعيات العمومية للمحاكم  :

إن نادي قضاة المغرب ما فتئ يؤكد على المطلب القديم و المتجدد لقضاة المملكة و المتعلق بضرورة إصلاح و تطوير آلية الجمعية العمومية ، إذ أن هذه الجمعية تعتبر مدخلا أساسيا من مداخل الإصلاح الحقيقي للسلطة القضائية و تجسيد استقلالها على أرض الواقع .

و من أجل ذلك فإن نادي قضاة المغرب يرى أن الشكل الذي تسير به الجمعيات العمومية وفق المرسوم المنظم لها جعل للمسؤول القضائي مركزا محوريا أهله ليكون الآمر الناهي في العملية القضائية، و هو أمر منافي لاستقلال القاضي و قراراته، فالمسؤول القضائي هو الذي يقرر في الجمعية العمومية و هو الذي يوزع المهام و يحدد تواريخ الجلسات و يقسم القضايا على الغرف و ينشئ الغرف أو يحذفها و هو الذي يتولى الدعوة إلى الجمعية العمومية و يعين القضاة في الجلسات و كذا يكلفهم بالمهام داخل المحكمة و غير ذلك ، كما يحتفظ لنفسه بالدور الذي يرغب فيه من خلال آلية التفويض الذي يتركه لنفسه من أجل التدخل في أي وقت في العملية القضائية ، كما له أن يجري التغييرات التي يراها مناسبة لسير العمل و ما إلى ذلك ؛ من كل هذا فإن القضاة ما فتئوا ينادون بضرورة تغيير هذا الوضع الذي يتربع فيه المسؤول القضائي على كرسي اتخاذ القرارات الانفرادية في مقابل قضاة ما عليهم إلا السمع و الطاعة و الانصياع . و لذلك فإن مسألة تغيير هذه الوضعية بات أمرا ملحا حتى تضمن استقلالية القاضي و قراراته و تضمن كذلك علاقة عقلانية بين المسؤول القضائي و باقي القضاة العاملين بالمحكمة من أجل نجاعة حقيقية للعمل .

و في هذا السياق فإن نادي قضاة المغرب يرى أن السبيل الأنجع لضمان حسن سير العدالة في ظل مقتضيات دستورية متقدمة هو إعطاء الجمعية العمومية المكانة اللائقة بها في تقرير القرارات الكبرى التي تهم سير العمل بالمحكمة. و على هذا الأساس فإن النادي يرى من الضروري :

اعتماد الجمعية العمومية كنواة أساسية في تنظيم العمل داخل المحاكم، و جعلها المقررة في ذلك بمشاركة جميع قضاة المحكمة و جعل المسؤول القضائي سواء بالرئاسة أو النيابة مشرفا على حسن تنزيل ما أقرته الجمعية العمومية و ضامنا للتنزيل الأمثل لقراراتها.

جعل التحضير لأعمال الجمعية العمومية فرصة لترسيخ مبدأ التشاركية في تدبير العمل داخل المحكمة يؤمنه القضاة أنفسهم بمعية المسؤول القضائي الذي يلعب دور الضابط لإيقاع التوجهات و الاختلافات الممكنة من غير احتكار لسلطة القرار .

تمديد نظام الجمعية العمومية ليشمل محكمة النقض بدل أن تيم تعميم تجربة محكمة النقض على محاكم الموضوع من خلال إقرار ” مكتب المحكمة ” الذي ما هو في الأصل إلا آلية جديدة لتحويل القبضة الحديدية للمسؤول القضائي إلى قفاز من حرير يمرر به القرارات الانفرادية بشكل أكثر قانونية و مشروعية .

جعل الجمعية العمومية بمحكمة النقض النواة الأولى لدمقرطة العمل القضائي بتلك المحكمة، و لها أن تقرر في المسائل الكبرى لحسن سير تلك الهيئة القضائية ، إذ كيف لمستشاريها أن يتمتعوا بالحكمة و التجربة و الخبرة التي أهلتهم ليكونوا من فريق أعلى هيئة بالمملكة و هم غير قادرين على تدبير وضعياتهم القضائية ؟

جعل الجمعية العمومية بمحكمة النقض المرجع في إسناد المسؤولية للمستشارين، وكذلك من خلال انتخاب رؤساء الغرف بما في ذلك الغرفة الأولى التي يعتبر رئيسها عضوا بقوة القانون في المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، و لذلك فإن هذا الانتخاب هو الآلية الوحيدة التي تمكن هذه الفئة من نخبة القضاة من التمثيلية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية على اعتبار أن الرئيس الأول لمحكمة النقض هو الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مما أصبح معه هو المسؤول عن سياسة المجلس المذكور و ليس كما كان من قبل في ظل وجود وزير العدل ، الشيء الذي يفرض ضرورة تمثيل مستشاري محكمة النقض و محاموها العامين من طرف أحد زملائهم بالمجلس ، و لن يكون ذلك إلا من خلال انتخاب رئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض من طرف الجمعية العمومية و جعله مسؤولا أمامها تجسيدا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة .

جعل الجمعية العمومية بمحكمة النقض هي صاحبة القرارات في تعيين الغرفة الإدارية بذات المحكمة في انتظار تنزيل مجلس الدولة و إخراجه إلى حيز الوجود ، خاصة وأن هذه الجهة القضائية هي التي أناط بها الدستور مهمة الفصل في الطعون الموجهة ضد قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية متى تعلقت بتدبير الوضعية المهنية للقاضي و اتصفت بالشطط في استعمال السلطة . لذلك فإن المنطق الذي يتماشى مع هذا الحق الدستوري هو ضرورة عدم جعل المستشارين الذين سيناط بهم أمر الفصل في تلك الطعون تحت رحمة سلطة التعيين من الرئيس الأول لمحكمة النقض ، ليبقى انتخابهم من الجمعية العمومية أفضل وسيلة في حدود المتاح و الممكن لضمان حيادية و استقلالية الهيئة عند النظر في تلك الطعون .

جعل مكتب المحكمة تحت إشراف المسؤولين القضائيين جهة تسهر على تنفيذ قرارات الجمعية العمومية للمحكمة بدل أن تكون هي الجهة المقررة، و تمديد هذا النظام إلى محكمة النقض .

تغيير موعد انعقاد الجمعية العمومية من شهر دجنبر إلى شهر شتنبر أو أكتوبر من أجل إقرار برنامج جلسات خاص بالسنة الموالية، يتهيأ القضاة و المحامون و المتقاضون له بدل الإبقاء على التاريخ الحالي و هو ما يجعل تنظيم الجلسات و الهيئات الجديدة في اضطراب مع بداية كل سنة قضائية بين تصريف القضايا المؤخرة وفق برنامج السنة الفارطة و تصريفها وفق برنامج السنة الجديدة .

جعل قرارات الجمعية العمومية تتخذ بالأغلبية المطلقة بدل وضع نصاب تعجيزي لا يتماشى مع المنطق الديمقراطي كما هو منصوص عليه في مسودة مشروع قانون التنظيم القاضي للمملكة .

2 : فيما يتعلق بالتعيين بالمناصب داخل المحكمة :

إن نادي قضاة المغرب، و باعتباره يستلهم رؤاه من التجارب الدولية و ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية المتعلقة بدمقرطة السلطة القضائية، يؤكد على ضرورة جعل الاختيار بالمناصب المنصوص عليها بمسودة مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة يخضع لآلية الانتخاب والمباراة لتشجيع جميع الطاقات على تحمل المسؤولية و تأهيلهم لذلك بما يعتبر مدخلا أساسيا في التكوين المستمر للقاضي .
و من أجل تحقيق هذا الهدف ؛ فإن نادي قضاة المغرب يرى :

أن اختيار أعضاء مكتب المحكمة يجب أن يخضع لمنطق الانتخاب التي تعتبر الوسيلة المؤدية إلى تجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، و لذلك فإن النادي يقترح أن يتم هذا الانتخاب لمدة محددة يتعين خلالها على فريق المكتب أن يسهر على تدبير الوضعيات الملائمة للتنزيل الأمثل لمقررات الجمعيات العمومية بتعاون مع المسؤول القضائي الذي يعتبر المسؤول الأول على هذه العملية ( عملية تنفيذ المقررات و ضمان حسن تنزيلها ) ؛

أن اختيار نواب المسؤولين القضائيين و رؤساء الغرف و الأقسام بالمحاكم يجب أن يتم عن طريق المباراة إسوة بتجارب أخرى تشهدها إدارات عمومية ، بعد أن يقدم الراغبون في ذلك برامجهم التي يرونها مناسبة لتدبير المهام أو الغرف و الأقسام التي يرغبون في رئاستها بناء على المعطيات التي يجب أن يقدمها لهم المسؤول القضائي و مكتب المحكمة ليكونوا على بينة و اطلاع بالواقع. على أن توكل للمسؤول القضائي و مكتب المحكمة مهمة تقييم مدى قدرة القاضي أو القاضية الناجحين في أداء مهامهم و إطلاع الجمعية العمومية على ذلك لاتخاذ القرارات المناسبة .

و نظرا لكون المهمة التي سيتولاها أعضاء المكتب و كذا رؤساء الغرف و الأقسام ترتب عليهم مسؤولية، فإن الإعلان عن نجاحهم سواء في الانتخابات أو المباراة يجب أن يتم بقرار يصدره المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما أن مسألة تعويضهم عن هذه المسؤولية يجب أن تقرر بموجب القانون و تصبح جزءا لا يتجزأ من التعويضات التي يتلقاها المعني بالأمر نظير مهامه الإضافية تلك و تشجيعا له على العمل .

و أما بالنسبة للقضاة المقيمين فإن النادي يرى ضرورة مأسسة الوضعية القانونية لهذه الفئة بالشكل الذي يوازي جسامة المهام الملقاة على عاتقها ، فمن جهة يجب إعادة النظر في طريقة اختيار القضاة المقيمين و جعل ذلك من اختصاص الجمعية العمومية عن طريق الانتخاب ، و من جهة أخرى يجب تعويض القضاة المقيمين عن المهام القضائية و الإدارية التي يقومون بمراكزهم . فلا يعقل أن يتحمل القاضي المقيم مسؤولية العمل القضائي في منطقة نائية و كذا العمل الإداري من خلال إشرافه على الجهاز الإداري للمركز من غير أن يعوض على المجهودات التي يبذلها و المسؤولية التي يتحملها .

3 : فيما يتعلق بسلطات المسؤول القضائي:

إن نادي قضاة المغرب يرى أن ما ورد بمسودة مشروع قانون التنظيم القضائي من سلطات واسعة لمؤسةة المسؤول القضائي قد شكلت تراجعا ليس فقط على المكتسبات الدستورية المؤسسة لاستقلال القاضي، و إنما تراجعت عما كان معمولا به منذ 1974 . إذ في الوقت الذي كان من المنتظر أن تتحقق الاستقلالية المنشودة لقرار القاضي، تمت تقوية دور و سلطات المسؤول القضائي على القاضي، و في هذا السياق تجدر الإشارة إلى ما ورد بالمادة 7 التي نصت على ما يلي : ” تمارس المحاكم أعمالها، تحت إشراف مسؤوليها، بما يؤمن انتظام واستمرارية الخدمات …. ” و ما ورد بالمواد 102 و ما يليها من نفس المسودة و التي تمكن المسؤول القضائي من بسط سلطان رقابته على القضاة العاملين معه، مما يفرغ فكرة استقلال القاضي من كل مضمون.

و في هذا السياق يمكن القول بأن ما جاء من مقتضيات في هذا السياق يعتبر تراجعا خطيرا و صريحا عن مقتضيات الفصل 110 من الدستور الذي مكن قضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة من استقلال قراراتهم.

إن نادي قضاة المغرب يرى أن السبيل الأمثل لتحقيق الشروط القانونية لعمل القاضي، أن تجسد مضامين الدستور في مسودة المشروع و ذلك من خلال العمل على تقوية الضمانات التي يجب أن يتمتع بها قاضيي الحكم و النيابة العامة أثناء مزاولة مهامهما. و على ذلك فإن نادي قضاة المغرب يرى أنه تجب إعادة النظر في مضمون المادة 7 من المشروع بما يحدد طبيعة و نطاق الإشراف من جهة لرفع اللبس في العبارة، و حتى تقطع الطريق عن كل التأويلات، و من جهة أخرى يجب إعادة النظر في مضمون المواد 102 و ما بعدها و تجسيد روح و منطوق الفصل 110 الذي يؤسس لمفهوم الاستقلال الحقيقي لقاضي الحكم و مفهوم التبعية القانونية و القائمة على التعليمات الكتابية المستندة على القانون لمسؤول النيابة العامة بدل التبعية العمياء كما أرادت المسودة أن تؤسس لها.

4 : فيما يتعلق بالحقوق و الحريات :

إن نادي قضاة المغرب ، يستغرب من نية واضعي مسودة قانون التنظيم القضائي الذين عملوا على محاولة التشريع في مجال لا يدخل في نطاق اختصاصهم، بل إن الدستور نفسه حصنه من كل تعديل و لو على مستوى الدستور. و في هذا السياق يجب ذكر الفصل 175 من الدستور الذي حدد نطاق المراجعة الدستورية و ما لا يمكن أن تشمله تلك المراجعة؛ و مما لا يمكن أن تشمله المراجعة المكتسبات في مجال الحقوق و الحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور باعتباره أسمى قانون بالبلاد و الذي ما فتئ جلالة الملك يؤكد على ضرورة احترام قواعد روحا و منطوقا . هنا يجب التساؤل عمن أعطى الحق لواضعي المشروع للمس بالحقوق الأساسية للقضاة و كذا الموظفين ليحرموهم من إمكانية ممارسة حقوقهم و حرياتهم الدستورية الأساسية ، و تجدر الإشارة هنا إلى ما ورد بالمادة 7 عندما تمت الإشارة الضمنية إلى منع توقف و تأجيل الجلسات و المادة 20 التي نصت على قواعد لباس البذلة و التي لا تعتبر من اختصاص السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في ظل الدستور الجديد من كل الأوجه . فكل ذلك يعتبر مسا خطيرا بأهم حق يتمتع به القضاة ليس في المغرب فحسب بل في كل الدول الديمقراطية حتى العريقة منها ، و الذي أكدت عليه المواثيق و الاتفاقيات الدولية ألا و هو الحق في الاحتجاج . كما أنه كان على واضعي المشروع أن يجعلوها مقتضيات نابعة من المصلحة الوطنية العليا و نبذ كل أسباب الاحتجاج من خلال ضمان ضوابط عمل قانونية تمكن القاضي من الاشتغال في ظروف ملائمة بدل التعامل بنفس ردة الفعل على الحركات الاحتجاجية التي قام بها نادي قضاة المغرب و التي جسد من خلالها بعضا من حقوقه الدستورية فقط .

لذلك فإن نادي قضاة المغرب، يؤكد على ضرورة التراجع عن هذا المنحى الخطير الذي طبع مسودة القانون، و الذي مس بالحقوق و الحريات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها كل مواطن فضلا عن القاضي الضامن لتك الحقوق و الحريات كما جاء به الدستور .

5 : فيما يتعلق بالعلاقة مع باقي مكونات منظومة العدالة :

فإن نادي قضاة المغرب يرى أن ما ورد بالفصل 18 من مشروع القانون من مقتضيات محدثة للجنة منتظمة يرأسها رئيس المحكمة بعضوية رئيس النيابة العامة و نقيب هيئة المحامين لهو إشراك لهيئة المحامي في تسير شؤون القضاة و إن بطريقة غير مباشرة، إذ في الوقت الذي شاهدنا نضال السادة المحامين على ضرورة الدفاع عن استقلال مهمنتهم و هو المطلب الذي يدعمه نادي القضاة ، نجد في المقابل أن واضع مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة عمل على السير في الاتجاه المعاكس بخصوص القضاء و مكن السادة المحامين من وضع لا يوجد في أية منظومة قضائية .

و لذلك فإن نادي قضاة المغرب و هو يدعم كل أشكال التعاون و التنسيق بين السادة المحامين ممثلين في هيئاتهم التمثيلية و السادة القضاة، يرى أن آليات التعاون و التنسيق هاته يجب أن يحدد لها إطارها الخاص خارج نطاق هذا القانون و أن تكون محل توافق بين جناحي العدالة و الدفاع ، بل إن نادي قضاة المغرب ينادي بضرورة إشراك جميع مكونات منظومة العدالة في إطار آلية مشتركة دائمة مهمتها تدارس الإشكالات العملية التي تعترض السير السليم للعدالة و البحث عن الحلول المناسبة لتجاوزها بل و اقتراح كل الحلول حتى التشريعية منها لتجاوز المستجدات التي قد تعترض السير العادي للمحاكم و العدالة بصفة عامة .، دون ان يصل الامر الى خرق القانون والتدخل في توزيع المهام .

و في ختام هذه المذكرة يؤكد نادي قضاة المغرب على أن أسلوب الحوار لا يزال هو الطريق الوحيد لتجاوز كل الصعاب و تجاوز كل العقبات، و أن الإنصات المتبادل بين مختلف فعاليات منظومة العدالة هو السبيل الأمثل للسير في طريق الاستجابة للنداء الملكي السامي بشأن الالتزام بالمضمون الدستوري منطوقا و روحا، و تنزيل مقتضياته تنزيلا ديمقراطية .

نادي قضاة المغرب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


*