يظل مبدأ المحاكمة العادلة من الركائز التي يقوم عليها العمل القضائي. ولا يختزل هذا المبدأ في إجراء شكلي يُستوفى عند افتتاح الجلسة، بل يمتد إلى كل مرحلة من مراحل الدعوى، من الاستماع إلى الأطراف حتى النطق بالحكم وتعليله. أول هذه الضمانات حق الدفاع. فتمكين المتهم من الاطلاع على أوراق الملف، ومن اختيار محاميه أو الانتفاع بالمساعدة القضائية، ومن مناقشة الشهود ووسائل الإثبات، هو ما يجعل المواجهة بين الخصوم متكافئة. وكل تضييق غير مبرر على هذا الحق يخل بتوازن الجلسة، ولو صدر الحكم بعد ذلك في شكل سليم من حيث الظاهر. وثانيها علنية الجلسات، ما لم يقرر القانون خلاف ذلك لحماية النظام العام أو حرمة الحياة الخاصة. فالعلنية ليست مشهداً للجمهور بقدر ما هي رقابة مشروعة على سير العدالة، تطمئن المتقاضي إلى أن قضيته تُناقش في وضوح، وأن القاضي يفصل فيها بما يمليه القانون والضمير المهني. وثالثها تعليل الأحكام. فالتعليل هو الترجمة المكتوبة لاقتناع المحكمة. وهو الذي يتيح للخصوم فهم أسباب القرار، ولمحاكم الطعن بسط رقابتها عليه. وكل حكم يكتفي بعبارات عامة، دون ربط الوقائع الثابتة بالنص المطبق، يضعف حجية القضاء ويعرض القرار للنقض. ويبقى للقاضي، في كل ذلك، دور إيجابي. فهو ليس شاهداً على خصومة الغير، بل ضامناً لسيرها وفق القانون. ومن تمام هذا الدور أن يثير ما يجب إثارته من تلقاء نفسه كلما تعلق الأمر بنظام عام، وأن يصغي إلى الدفاع حتى آخر مرافعته، وأن يفصل في حدود ما طُلب منه دون إخلال بحقوق من لم يُستمع إليه. إن استقلالية القاضي لا تكتمل إلا إذا اقترنت بهذه الضمانات في الممارسة اليومية. فالاستقلال وُجد لحماية المتقاضي، والمحاكمة العادلة هي الوجه العملي لهذا الحماية داخل قاعة الجلسات.